
وقفت قدام أخوها، مش عارف أرد ولا أقول إيه. كبريائي المهندس صاحب المستوى الرفيع اتمسح ببهو الحارة القديمة. بصيت له وبلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أجمع ثباتي المزيف وقلت: “أنا جاي آخد مراتي وعيالي يا معلم.. الحركة دي زادت عن حدها، وأعتقد إننا كبار كفاية إننا ننهي المهازل دي بعيد عن الشارع”.
-
اتجوز حكايات امانى السيد 2منذ 3 ساعات
-
اتجوز حكايات امانى السيد 1منذ 3 ساعات
-
حكايات امانى السيد 1منذ 3 ساعات
-
حكايات زهره الربيعمنذ 4 ساعات
أخوها ضحك ضحكة قوية سمعت الشارع كله، ضحكة مليانة استهزاء هزتني من جوايا. قرب مني خطوة وقالي بصوت واطي بس يرعب: “مرتك؟ أنت قصدك الست اللي أنت رميتها عشان تشتري رضا أختك وتتباهى بيها قدام هانم الشركة؟ هدى مبقتش حريم حد يا كريم.. هدى بقت صاحبة ملك وصاحبة شغل، والعيال في وسط أهلهم ورجالتهم اللي بيصونوهم.. ارجع يا بشمهندس للكومباوند بتاعك، بلاش تلوث جزمك بتشابك الحارة”.
في اللحظة دي، هدى خرجت من باب الأتيليه. أول ما عينها جات في عيني، ملامحها متغيّرتش، لا خافت ولا ارتبكت، بالعكس، بصتلي بثبات مرعب كأني شخص غريب بيسأل عن عنوان في الشارع. قربت بخطوات موزونة ووقفت جنب أخوها وقالت بصوت هادي وواثق: “سيبه يا أحمد.. البشمهندس جاي في حق، ومن حقه يعرف القول الفصل عشان يقفل الصفحة دي للأبد”.
بصيت لها وناديت باسمها بنبرة فيها انكسار لأول مرة: “هدى.. أنتِ اتجننتي؟ سايبة بيتك وعايشة هنا؟ فتحتي محل من ورايا وبدون إذني؟ أنتِ فاكرة إن اللعبة دي هتكمل؟ أنا ممكن بالقانون آخد العيال منك ومخليكيش تشوفيهم!”.
ابتسمت هدى ابتسامة سردت كل أوجاع السنين، وقالت: “قانون؟ أنت بتتكلم عن القانون يا كريم؟ القانون اللي أنت نسيتها لما جوعت عيالك وعاملت أمهم زي الخدامة؟ القانون اللي خلك ترمي مصاريف البيت بذلة عشان تشتري طقم ألماس لمراتك الجديدة؟ لو عايز المحاكم، المحامين جاهزين والقضايا أترفت خلاص.. قضية طلاق للضرر، وقضية نفقة للعيال، وشهود الجيران والقرايب اللي شافوا إهانتك ليا ولمرض ابنك جاهزين يشهدوا في أي لحظة”.
الجملة نزلت عليا زي الصيقاع. طلاق للضرر؟ نفقة؟ هدى البسيطة الهادية اللي كانت بتخاف ترفع عينها في عيني بقت بتتكلم بلغة القضايا والمحاكم بثقة ملهاش حدود.
حاولت أهدي النبرة، وقربت خطوة وقلت بصوت واطي: “هدى.. نتفاهم.. العيال محتاجين أبيهم، والبيت مفتوح، وأنا مستعد أصلح كل اللي فات.. مروة دي مجرد…”
قاطعتني بصوت حاد : “مروة دي اختيارك يا كريم! اختارتها عشان مستواك، عشان شهادتك، عشان عقد أختك صفاء اللي ملا بيها راسك! أنت عمرك ما حبتني، ولا عمرك شفتني بني آدمة، أنت كنت شايفني مجرد قطعة أثاث في شقتك بتخدمك وتوفر عليك مصاريف الخدامة! أنا هنا ردتلي كرامتي وروحي، ومستعد أعيش على العيش والحاف، ولا إني أرجع أكون ‘نمرة 2’ في حياتك أو خدامة تحت جزمة أختك صفاء”.
لفت ظهرها ودخلت المحل، وأخوها حط إيده على كتفي وزقني بزقة خفيفة بس حاسمة: “سمعت القول الفصل؟ يلا يا بشمهندس.. طريقك خضرة، ومتنساش تعزم صفاء هانم على قضايا النفقة اللي جاية في السكة”.
مشيت ورجعت لعربيتي وأنا بجر رجلّيا جثّة هامدة. لأول مرة أحس إن الأرض بتدور بيا. دخلت العربية وقعدت الدركسيون بإيدي وندم. الشارع اللي كنت بستحقره طلع فيه عزّة وكرامة ملمستهمش في حياتي الراقية المزيفة.
رجعت الشقة الجديدة عند مروة. أول ما فتحت الباب، لقيتها قاعدة حاطة رجل على رجل ماسكة لاب توب، ولا بصتلي ولا قالتلي حمد الله على السلامة.
سألتها بضيق: “مروة.. هو أنتِ معندكيش كلمة حلوة تقوليها لما أرجع تعبان؟”.
بصتلي باستعلاء وقالت: “تعبان من إيه يا كريم؟ هو أنت كنت بفاس في الغيط؟ وبعدين يا حبيبي أنت عارف شغلي ومسؤولياتي، أنا مش فاضية للجو العاطفي ده.. صحيح، بابا اتصل وبيقولك قسط الشقة الجديدة المرة دي عليك لأن عنده مصاريف في النادي، ومتنساش تحول المبلغ بكرة”.
سيبتها ودخلت الأوضة وقفلت الباب على نفسي. كلامها كان بيقطع في قلبي. مروة المهندسة، الشيك، صاحبة المستوى، شايفاني مجرد بنك متحرك، مجرد آلة بتدفع أقساط وشكليات عشان برستيج أهلها. مفيش سؤال عن صحتي، مفيش لقمة حلوة، مفيش اهتمام حقيقي.
في اليوم اللي بعده، جاني اتصال من صفاء أختي. ردت بصوت مليان غضب: “أيوة يا كريم! إيه اللي أنا سمعته ده؟ أنت رحت للحارة بتاعة هدى؟ أنت اتجننتي يا كريم؟ تروح للجاهلة دي وتقلل من قيمتك وقيمة عيلتنا قدام البياعين والصايعين بتوع الحارة؟ مروة اتصلت بيا ومضايقة جداً وتقول إنك متغيّر ومعاملتك جافة!”.
صوت صفاء اللي كنت زمان بشوفه صوت العقل والحكمة، بقى بيرن في أذني زي صوت شيطان بيخرب حياتي.
صرخت في الفون بصوت هز العمارة: “اسكتي بقى! اسكتي ودمرتيلي حياتي! أنتِ إيه؟ مب تشبعيش خراب؟ ضحكتِ عليا وقولتيلي دي جاهلة وقاعدة في البيت ومالهاش قيمة! أهو الجاهلة دي فتحت مشروع وبقت ست بيت وناجحة ومستغنية عني وعن قرشينك اللي كنت بتباهى بيهم! الجاهلة دي صانت بيتي وعيالي وأنتِ خليتيني أرميها وأجري ورا السراب!”.
صفاء اتصدمت من طريقة كلامي، وقالت بصوت متوتر: “أنت بتعلي صوتك عليا عشان واحدة زي دي يا كريم؟ نسيت أنا مين وشهادتي إيه و…”
قاطعتها بقسوة: “أنتِ أختي.. بس أنتِ أكتر واحدة آلتني ودمرت بيتي! من النهارده مش عايز أشوف وشك ولا أسمع صوتك لحد ما أعرف أصلح المصيبة اللي حطتيني فيها!”.
قفلت السكة في وشها، وحسيت بنار شعلت في صدري. بس الندم جه متأخر أوي.
مرت الأيام، ورسايل المحاكم بدأت توصل. إعلانات قضايا نفقة، وأجر مسكن، وطلب طلاق للضرر. المحامي بتاعي قالي بصراحة: “يا بشمهندس، الموقف القانوني مش في صالحك تماماً. المدعية معاها شهادات طبية بتثبت إهمالك لبنك وهو سخن، ومعاها شهود على إهاناتك ليها، والست فتحت سجل تجاري وبقى عندها دخل مستقل يعزز موقفها في طلب الحضانية والطلاق”.
حاولت أضغط بفلوسي، بس هدى كانت أذكى وأسرع. مشروع الأتيليه بتاعها كبر في شهرين بشكل غير متوقع. تصميماتها البسيطة والأسعار المناسبة خلت الستات في المنطقة والمناطق المجاورة يقبلوا عليها، وبقت بتورّد شغل لمحلات كبيرة. هدى طلعت مش مجرد ست معاها دبلوم، هدى كانت طاقة مدفونة، طاقة أنا وأختي كنا ردمين عليها تحت ركام الاستحقار والقلة.
في يوم، قررت أروح المدرسة بتاعة العيال. وقفت مستني مريم وابني الصغير عند الباب. أول ما خرجوا وشافوني، ابني جرى عليا ، بس مريم وقفت بعيد، باصة لي بنظرة فيها جفاء ووجع.
نزلت لمستوى ابني وبكيت، وقربت من مريم وقلت لها: “مريم.. أنتِ زعلانة من بابا يا حبيبتي؟”.
مريم بصتلي بعيون دموعها وقالت: “أنت زعلت ماما يا بابا.. أنت خليت الست التانية وأختك يضحكوا عليها ويقولوا إنها مالهاش قيمة. ماما بتتعب طول الليل عشان تغطينا وتشتغل، وأنت كنت بتدي الفلوس للمدامة الجديدة.. أنا مش عايزة أرجع الكومباوند بتاعك يا بابا، أنا بحب ماما وبحب الحارة عشان هنا محدش بيذلنا”.
كلمات طفلة عندها عشر سنين كانت أشد من أي حكم قضائي. حسيت إني صغرت.. صغرت لدرجة إن التراب كان أطول مني.
رجعت الشقة عند مروة، وكانت أول أزمة حقيقية بيننا. الفلوس بدأت تزيد عليها المصاريف، بين مصاريف شقتنا، وأقساط مروة، والمبالغ اللي بقيت مجبور أدفعها للمحكمة كنفقات مؤقتة للعيال.
مروة قعدت معايا وقالت بنبرة حادة: “كريم.. أنا لاحظت إنك حولت مبلغ كبير للمحكمة الشهر ده، والتكييف بتاع شقتنا محتاج يتغير، وأنا مش هتدفع جنيه من مرتي في الشقة! أنت الراجل وأنت اللي متكفل بكل حاجة!”.
بصيت لها وقلت بغل: “أنا مش ملاحق يا مروة! المصاريف كتيرة وأنا مقسم شغلي وبيتي.. أنتِ مش مهندسة وبيجيلك مرتب محترم؟ ما تشيلي معايا شوية!”.
ضاحكت مروة بتعلي: “أشيل معاك؟ ليه إن شاء الله؟ هو أنا اتجوزتك عشان أشيل معاك؟ أنا اتجوزت راجل مهندس ومستواه يرتقي بيا، مش عشان أدفع مصاريف عيالك من مراتي القديمة! لو مش قادر على مصاريف البيت ده، يبقى أنت مش قد الجوازة دي من الأول!”.





