
رقصت في حفلة سبوع ابن ضرتي، ورشّيت فلوس، وأكلت جاتوه، وضحكت قدام الناس كأني أسعد واحدة في البيت… بس محدش كان يعرف إن جوا شنطتي ظرف بني واحد، كفيل يقلب السبوع لعزا. بيقولوا دايمًا: خافوا من الضراير… بس الحقيقة؟ خافوا من الست الهادية لما تبطل تعاتب وتبدأ ترتّب. اسمي روز، ومتجوزة بقالي ست سنين.
-
حكايات اسما السيد4منذ ساعتين
-
حكايات اسما السيد 3منذ ساعتين
-
حكايات اسما السيد 2منذ ساعتين
-
حكاية نور 2منذ 3 ساعات
ست سنين وأنا بسمع:
— ربنا عاوز كده.
وست سنين حماتي بتعايرني وتقول:
— إنتِ مسترجلة… لو كنتِ ست بجد، كان زمان البيت اتملى عيال!
استحملت الإهانة، وبلعت المر، وروحت لدكاترة، ودعيت ربنا كتير… وكل مرة كنت برجع البيت وأنا شايلة الذنب لوحدي.
من تلات شهور، جوزي دخل البيت ومعاه بنت صغيرة، حامل، اسمها سارة.
ما صرختش.
ما عملتش دوشة.
وقفت أبص لهم في هدوء، وهو واقف قدامي فاتح صدره وكأنه جايبلي خبر يستحق التهنئة.
قال:
— دي سارة… وحامل في ابني. وبما إنك معرفتيش تجيبيلي وريث، هي هتعيش هنا وتجيبلي اللي إنتِ مقدرتيش تجيبيه.
بصيت لسارة.
كانت صغيرة، يمكن عندها اتنين وعشرين سنة، بتمضغ لبانة وبتحط إيدها على بطنها، وباصالي كأني الخدامة اللي استلمت تعليماتها الجديدة.
وجوزي كمّل بمنتهى البرود:
— ومن النهارده هتطبخي لها وتنضفي وراها وتخدميها. دي شايلة وريث البيت.
صحابي لما عرفوا قالولي:
— سيبيه وامشي.
وفي اللي قال كلام من الغضب والصدمة.
لكن أنا قلت لهم:
— اهدوا… خلونا نتفرج على الفيلم للآخر.
ومن يومها بقيت الزوجة الغبية المثالية في نظرهم.
طبخت لضرتي، وغسلت هدومها، وكنت أساعدها لما رجليها تورم من الحمل.
وجوزي؟
كان يقعد مع صحابه في الويك إند يضحك ويتباهى:
— شوفتوا؟ الست اللي تعرف مقامها نعمة. روز فهمت خلاص إنها انتهت.
كنت أسمعه…
وأبتسم.
لأن اللي ماكانش يعرفه إنني كل ليلة كنت بفتح درج مكتبي، أبص على ظرف قديم، وأرجعه مكانه.
وأقول لنفسي:
— لسه… مش وقته.
الأسبوع اللي فات، سارة ولدت.
ولد زي القمر.
جوزي اتجنن من الفرحة.
عمل وليمة كبيرة، وجاب هدايا للناس، وقرر يعمل سبوع يتكلم عنه كل اللي يعرفه.
وسمّى الطفل رائد.
حفلة السبوع كانت امبارح.
البيت كان مليان على آخره.
أغاني، وزغاريد، وضحك…
وحماتي بترقص وهي كل شوية تبصلي بنظرة انتصار، كأن حفيدها شهادة رسمية بفشلي.
أما أنا؟
رقصت.
رشيت فلوس.
أكلت جاتوه.
وابتسمت لكل اللي بصلي بشفقة.
لحد ما جه وقت الهدايا.
وقتها قومت من مكاني.
كنت لابسة فستان دهبي شيك، ومشيت بهدوء ناحية المكان اللي قاعدة فيه ضرتي والطفل.
مسكت الميكروفون.
وأشرت للدي جي يوقف الموسيقى.
فجأة…
البيت كله سكت.
بصيت لجوزي وقلت بابتسامة:
— جوزي العزيز… ألف مبروك على الوريث.
ابتسم بمنتهى الغرور وقال:
— الله يبارك فيكي يا روز… وعقبالك.
ضحك كام واحد.
وحماتي غطت بوقها وهي بتضحك.
أنا كمان ضحكت.
وبعدين قلت:
— وعندي هدية خاصة جدًا للطفل.
فتحت شنطتي…
وطلعت ظرف بني كبير.
أول ما جوزي شافه، ابتسامته اختفت.
قلت:
— من ست سنين، قبل جوازنا، عملنا تحاليل كاملة… فاكر؟
اتلخبط.
— تحاليل إيه؟
قربت الميكروفون من بوقي أكتر وقلت:
— التحاليل اللي إنت رفضت تروح تستلم نتيجتها، وقلتلي أستلمها أنا.
وشه بدأ يتغير.
— روز… إنتِ بتتكلمي عن إيه؟
فتحت الظرف بهدوء، وطلعت التقرير.
بصيت ناحية الطفل…
وبعدين بصيت لجوزي وقلت:
— بتكلم عن التحليل اللي بيقول إن المشكلة عمرها ما كانت عندي… وإنك من ست سنين عارف إن فرصتك في الإنجاب الطبيعي شبه منعدمة.
القاعة كلها سكتت.
حتى حماتي بطلت رقص.
لكنني رفعت الورقة التانية وقلت:
— استنى… دي مش المفاجأة.
بصيت لضرتي مباشرة وابتسمت:
— لأن الهدية الحقيقية لرائد… هي إننا نعرف مين أبوه.
شهقت حماتي.
وجوزي قام من مكانه وهو بيزعق:
— إنتِ اتجننتي؟!
هزيت راسي وقلت:
— لأ… أنا بس بطلت أكون الست الغبية اللي إنتوا فاكرينها.
ثم أخرجت الورقة الأخيرة من الظرف…
وهنا تحديدًا، سارة قامت من مكانها فجأة، ووشها بقى أبيض وهي بتقول:
— روز… الورقة دي وصلتي لها إزاي؟!
ابتسمت.
لأن سؤالها لوحده…
كان كفاية يخلي جوزي يبص لها لأول مرة بشك.
يتبع…
صلّوا على النبي ﷺ، ولو عايزين تعرفوا إيه اللي كان مكتوب في الورقة الأخيرة ومين أبو الطفل الحقيقي، تابعوا الجزء الجاي 👇🌹
الفصل الأول: ليلة السبوع
لم تكن ترقص فرحًا بالمولود.
ولم تكن ترقص لتلفت الأنظار، رغم أن كل عين في القاعة كانت معلقة بها.
كانت ترقص لأنها لو توقفت للحظة واحدة فقط… ستبكي.
وهبة أقسمت قبل أن تنزل من غرفتها تلك الليلة أنها لن تمنح أحدًا متعة رؤية دموعها.
خصوصًا نادر.
زوجها.
الرجل الذي وقفت إلى جواره سبع سنوات كاملة، ثم قرر في لحظة أن يكافئ صبرها بأن يأتي لها بضرة إلى البيت.
رفعت هبة ذراعها مع دقات الموسيقى، وتحرك فستانها الأنيق حولها بينما علت الزغاريد.
كانت جميلة بصورة مستفزة.
جميلة لدرجة جعلت إحدى قريبات نادر تميل ناحية الأخرى وتهمس:
— والله العظيم أنا مش فاهمة الست دي معمولة من إيه… دي بترقص في سبوع ابن ضرتها!
وصلت الجملة إلى أذن هبة.
فابتسمت.
وأكملت رقصها.
في صدر القاعة كانت سمر، الزوجة الثانية، جالسة على كرسي كبير، تحتضن طفلها الذي لم يتجاوز عمره سبعة أيام.
وبجوارها نادر.
الأب السعيد.
كل عدة دقائق ينظر إلى ابنه، ثم يبتسم بفخر.
الابن الذي انتظرته العائلة سنوات.
الابن الذي بسببه تحولت هبة من “مرات ابننا وحبيبتنا” إلى “الست اللي ما خلفتش”.
كانت أم نادر أكثر واحدة سعيدة.
تحمل طبق الحلوى وتوزعه بنفسها وهي تقول:
— عقبالكوا كلكوا… ربنا رزقنا أخيرًا بالولد اللي يشيل اسم أبوه.
سمعتها هبة.
وتوقفت قدمها للحظة.
أخيرًا.
كلمة واحدة فقط كانت كافية لتختصر سبع سنوات من الإهانة.
سبع سنوات من الأطباء والتحاليل والأدوية والحقن.
وسبع سنوات كان نادر يقول لها خلالها:
— لو الدنيا كلها قالتلي سيبك، مش هسيبك.
ثم ترك يدها دون أن يطلقها.
وهذه كانت أقسى طريقة يمكن لرجل أن يترك بها امرأة.
أن يحتفظ بها زوجة…
ويمنح حياتها لامرأة أخرى.
اقتربت منها ابنة خالة نادر وهي تضحك:
— إيه يا هبة؟ ده إنتِ عاملة فرح مش سبوع!
ردت هبة وهي تواصل الرقص:
— ما هو يوم يستاهل.
— بجد فرحانة؟
توقفت هبة.
نظرت إليها مباشرة.
ثم قالت بابتسامة:
— جدًا.
ضحكت الفتاة ومشت.
لكن امرأة واحدة في القاعة لم تصدق تلك الابتسامة.
الحاجة صفية، جدة نادر.
امرأة تجاوزت السبعين، لكنها كانت ترى ما يعجز الآخرون عن رؤيته.
راقبت هبة طويلًا.
ثم تمتمت:
— البت دي وراها حاجة.
على الناحية الأخرى، انحنت سمر ناحية نادر وقالت بضيق:
— هي لازم تعمل المنظر ده؟
نظر نادر إلى هبة.
لأول مرة منذ بداية الحفل، رآها فعلًا.
فستانها.
شعرها.
ضحكتها.
والأغرب…
أنها لم تنظر إليه ولو مرة.
قال:
— سيبيها تفرح.
رفعت سمر حاجبها:
— تفرح بإيه بالظبط؟
لم يرد.
فقالت وهي تضم الطفل إلى صدرها:
— أنا مش مرتاحة.
— من إيه؟
— منها.
ضحك نادر.
— هبة؟!
— أيوه، هبة. الست اللي ضرتها خلفت ابن وهي واقفة ترقص كأنها كسبت مليون جنيه… دي يا إما مجنونة، يا إما مخبية مصيبة.
هذه المرة لم يضحك.
لأن الفكرة نفسها كانت قد مرت في رأسه.
وقبل أن يرد، انطفأت الموسيقى.
صفق الجميع.
وهبة انحنت قليلًا وهي تضحك.
ثم اتجهت إلى الطاولة، أخذت كوب ماء وشربت بهدوء.
اقترب منها نادر.
— مبسوطة؟
وضعت الكوب مكانه.
— جدًا.
— بجد؟
رفعت عينيها إليه.
كانت هذه أول مرة تنظر له منذ بداية الحفل.
— هو إنت مستغرب ليه؟
— مش مستغرب… بس…
— بس إيه؟
خفض صوته:
— يعني الوضع مش سهل عليكي.
ابتسمت هبة.
— بالعكس. أنا النهارده مرتاحة أكتر من أي يوم فات.
شعر نادر بشيء غريب في صوتها.
— هبة…
قاطعته:
— روح لمراتك يا نادر. الناس بتبص علينا.
تجمد وجهه.
منذ زواجه بسمر، لم تقل هبة أمامه كلمة مراتك بهذه الطريقة.
كأنها تخرجه من حياتها وتضعه في حياة امرأة أخرى.
مد يده وأمسك معصمها.
— إحنا هنتكلم بعد ما الناس تمشي.
نظرت إلى يده.
ثم إلى عينيه.
— ياريت.
وسحبت يدها بهدوء.
في تلك اللحظة، ظهر رجل عند مدخل القاعة.
بدلة داكنة.
حقيبة أوراق في يده.
وقف يبحث بين الموجودين حتى وقعت عيناه على هبة.
أشار لها.
ابتسمت.
الحاجة صفية كانت تراقب.
ونادر أيضًا.
اقترب الرجل من هبة وقال:
— مساء الخير يا مدام هبة.
— مساء النور يا أستاذ حسام.
أخرج ملفًا من حقيبته.
— الورق كله جاهز.
لمعت عيناها.
— كله؟
— زي ما طلبتي بالظبط.
ناولها الملف.
لكن قبل أن تأخذه، جاء صوت نادر من خلفها:
— ورق إيه؟
التفت الرجل.
وتغير وجهه قليلًا.
أما هبة…
فأخذت الملف وضمته إلى صدرها.
ثم قالت بهدوء:
— حاجة تخصني.
اقترب نادر.
— وحسام المحامي بيجيبلك حاجة تخصك في سبوع ابني؟
ردت:
— أيوه.
— إيه هي؟
نظرت حولها.
العائلة كلها تقريبًا بدأت تنتبه.
سمر تراقب من بعيد.
أم نادر توقفت عن توزيع الحلوى.
حتى الموسيقى لم تعد تعمل.
اقتربت هبة من زوجها خطوة.
وقالت بصوت منخفض:
— قلتلك هنستنى الناس تمشي.
لكنه رفع صوته:
— وأنا بقولك عايز أعرف دلوقتي.
ساد الصمت.
نظر حسام إلى هبة وكأنه يسألها إن كان يتدخل.
لكنها هزت رأسها.
ثم فتحت الملف.
أخرجت منه ورقة.
ومدتها إلى نادر.
قرأ أول سطر.
وتغير لون وجهه.
رفع عينيه إليها.
— إيه ده؟
قالت هبة بمنتهى الهدوء:
— طلبي للطلاق.
شهقت أكثر من امرأة.
وصرخت أمه:
— طلاق؟!
أما سمر…
فلمعت عيناها بانتصار سريع لم تستطع إخفاءه.
لكن هبة لم تنتهِ.
أخرجت ورقة ثانية.
ثم ثالثة.
وقالت:
— ودي مستندات ملكية البيت.
قطب نادر حاجبيه.
— مالها؟
ابتسمت هبة.
— البيت ده بتاعي.
ضحكت أمه بسخرية:
— بيت إيه اللي بتاعك يا بنتي؟ ده بيت ابني!
التفتت هبة إليها.
— كان.
اختفت الضحكة.
أكملت هبة:
— نادر نقل نصيبه في البيت باسمي من أربع سنين علشان مشكلة الضرائب والقرض… فاكر يا نادر؟
نظر إليها نادر بصدمة.
كان يتذكر.
لكن شيئًا في نظرتها أخبره أن الأمر أكبر من ذلك.
قال بعصبية:
— نصيبي بس.
هزت رأسها.
— فعلًا.
ثم أخرجت ورقة أخرى.
— والنص التاني كان باسم الحاجة صفية.
التفت الجميع إلى الجدة.
ابتسمت الحاجة صفية لأول مرة.
وقالت:
— وأنا بعته لهبة من شهرين.
صرخت أم نادر:
— يا ماما!
ضربت الجدة عصاها بالأرض.
— اسكتي.
ثم نظرت إلى هبة.
— كملي يا بنتي.
بدأ وجه نادر يشحب.
أما سمر، فنهضت وهي تحمل طفلها.
— يعني إيه الكلام ده؟
التفتت هبة إليها.
نظرت إلى الطفل.
وللحظة…
اختفت القوة من عينيها.
اقتربت منه.
لمست كفه الصغير بأطراف أصابعها.
ثم همست:
— مالوش ذنب.
رفعت عينيها إلى سمر.
— ابنك مالوش ذنب في أي حاجة حصلت.
ثم نظرت إلى نادر.
— لكن أبوه له.
قال نادر من بين أسنانه:
— إنتِ مخططة لكل ده من إمتى؟
ابتسمت.
— من اليوم اللي عرفت فيه الحقيقة.
ساد صمت ثقيل.
قال:
— حقيقة إيه؟
توقفت هبة.
لأول مرة اهتز صوتها.
لكنها تماسكت.
فتحت حقيبتها الصغيرة.
وأخرجت ظرفًا أبيض.
وضعته فوق الطاولة أمامه.
— نتيجة التحاليل اللي عملتها من أسبوعين.
نظر نادر إلى الظرف.
ثم إليها.
— تحاليل إيه؟
قالت هبة:
— التحاليل اللي كان لازم نعملها من سبع سنين… بدل ما كل دكتور كنت بتوديني له يفترض إن المشكلة عندي أنا.
تغير وجه أم نادر.
أما سمر فقالت بحدة:
— يعني إيه؟
فتحت هبة الظرف.
وأخرجت التقرير.
— يعني أنا أقدر أخلف يا سمر.
ثم رفعت عينيها إلى نادر.
وأضافت:
— والمشكلة عمرها ما كانت عندي.
تجمد الرجل مكانه.
ضحكت أمه بعصبية:
— إيه الهبل ده؟ أمال الولد ده جه إزاي؟
لم ترد هبة.
فقط…
نظرت إلى الطفل.
ثم إلى نادر.
ثم إلى سمر.
وفي اللحظة نفسها فهمت الحاجة صفية.
وضعت يدها على صدرها.
وقالت بصوت مرتجف:
— يا ساتر يا رب…
نظر نادر إلى ابنه.
ثم إلى هبة.
— إنتِ عايزة تقولي إيه؟
مسحت هبة دمعة كادت تهرب من عينها.
وقالت:
— أنا مش عايزة أقول حاجة.
ثم أشارت إلى التقرير.
— التحليل هو اللي بيقول.
صرخت سمر:
— إنتِ كدابة!
لكن هبة لم تنظر إليها.
كانت تنظر فقط إلى الرجل الذي كسر قلبها من أجل طفل…
قد لا يكون طفله أصلًا.
ثم قالت:
— مبروك السبوع يا نادر.
وأغلقت حقيبتها.
واستدارت ناحية الباب.
لكن قبل أن تخطو خطوتها الأولى…
دوّى صوت نادر خلفها:
— هبة! مين أبو الطفل؟
فتوقفت القاعة كلها عن التنفس.
يتيع
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”






