
فتحت الباب ببطء وأنا جسمي كله بيترعش، ولقيت قدامي “حاج راضي”، عمي الكبير وتاجر القماش المعروف في العيلة. الراجل اللي كنت فاكرة إنه جاي يكمل عليا ويطردني من البيت، أو يرمي عليا كلمتين يقضوا على المتبقي من روحي.
-
حكايات زهره الربيع 1منذ ساعتين
-
حكايات اسما السيد4منذ 4 ساعات
-
حكايات اسما السيد 3منذ 4 ساعات
-
حكايات اسما السيد 2منذ 4 ساعات
دخل العم راضي الشقة، وقفل الباب وراه بصمت ثقيل. بص في أركان الصالة المطفية، وبص للعيال اللي كانوا مستخبيين ورايا وخايفين، وبعدين بص في عيني مباشرة وقالي بنبرة حازمة: “اقعدي يا فلانة.. أنا جاي أسمع منك أنتِ، مش جاي أسمع من سهام ولا من كمال!”
الكلمة دي نزلِت على قلبي زي المية الباردة. اترفعت من عليا جبال من الخوف، وقعدت على الكنبة وبدأت أحكيله كل حاجة بالظبط. حكيتله من أول يوم جوزي الله يرحمه اتوفى فيه، مرورا بالذل والإهانة اللي كنت بشوفهم في بيت اختي مقابل الأجر اللي باخده، لحد الليلة اللي دخلت فيها الحمام والفخ اللي اتقفل عليا. حكيت وأنا بكي بدموع محبوسة بقالها أيام، وبحلفله بأغلى ما عندي إن كل كلمة بقولها هي الحقيقة.
العم راضي كان بيسمع وهو ساكت تماماً، بيفرك في إيديه ويهز رأسه. ولما خلصت كلامي، سكت شوية وبعدين قال: “أنا عارف أخلاقك يا بنتي، وعارف مرحومك كان شكله إيه.. وسهام أختك أنا عارف غلها ومكرها كويس من صغرها. لكن الكلام ده ما ينفعش يتقال فيه ‘صدقوني’ و’احلفلكم’.. العيلة كلها بلعت الكدبة، وكمال ماشي في المندرة يفرد صدره ويقول إنه ستر عليكي وما بلغش الشرطة!”
سألته بكسرة: “طب وأنا أعمل إيه يا عمي؟ أنا معاييش غير ربنا، والفلوس اللي معايا خلصت، وعيالي بيموتوا من الخوف والجوع!”
وقف الحاج راضي وقال بثقة: “أنا جاي أقولك إن بكرة العصر، فيه قعدة عرب ومجلس كبار معقود في بيت عيلتنا. كمال وسهام عزَموا كبار العيلة عشان يطالبوا إنك تتنازلي عن ورثك في بيت أبويكي للبت الصغيرة بتاعة سهام كـ ‘تعويض’ عن قلة أدبك وفضيحتك في بيتهم!.. وده الشرط اللي حطوه عشان ما يرفعوش عليكِ قضية زنا!”
الدم غلى في عروقي، واستوعبت المخطط كاملاً! القصة كلها مكنتش بس غل قديم، القصة كانت كمان طمع في حقي وحق عيالي في بيت أبونا اللي سهام كانت عايزة تحط إيدها عليه بأي طريقة.
قال عمي: “أنا مش هسيب حقك، بس لازم نفضحهم بنفس سلاحهم. فيه حاجة كمال وسهام نسيوها خالص وهم بيدبروا الفخ ده.. بيت كمال فيه كاميرات مراقبة مخفية في الصالة والممر اللي يودي للحمام، كمال مركبها من سنة عشان خايف من السرقة بعد ما جاب الشغالين، وهي متصلة بتليفونه وتليفون سهام!”
قلبي دق بسرعة، وقلت له: “بس الهارد أو التسجيلات دي في بيتهم يا عمي، مستحيل يسبوها أو يوروهالنا!”
ابتسم العم راضي ابتسامة خبيثة وقالي: “كمال غبي، ونسي إن الشركة اللي ركبتله السيستم ده، صاحبها يبقى الواد حازم ابن أخويا! حازم معاه الباسورد والأكسس بتاع السيرفر اللي بيتخزن عليه تسجيلات كاميرات بيتهم تلقائياً.. وسحبنا فيديو ليلة عيد الميلاد بالكامل!”
في اللحظة دي، حسيت إن الروح ردت فيا تاني. كمل عمي وهو بيقوم: “جهزي نفسك وبسكينك يا بنتي.. بكرة العصر هتطلعي معايا القعدة دي، ومش هتكتمي صوتك، بكرة الحق هيظهر والقناع هيقع عن أقذر بشر مشيت على الأرض!”
جاء عصر اليوم التالي، وكانت أعصابي مشدودة كأنها أوتار آلة موسيقية على وشك الانقطاع. لبست أحسن وأرتب ما عندي، وخرجت مع عمي الحاج راضي متجهة لبيت العيلة الكبير، المكان اللي اجتمع فيه كبار العيلة وأعمامي وأخوالي عشان ينصبوا لي محاكمة عرفية.
أول ما دخلت المجلس مع عمي راضي، خيم السكوت على القاعة، والنظرات كلها اتوجهت ليا. نظرات اتهام، واحتقار، وقسوة. في صدر المجلس، كان كمال قاعد وفارد جسمه بثقة عمياء، وحنبه أختي سهام لافّة وشها بحزن مزيف وتمثيلية الضحية اللي تقنها، ولابسة أسود في أسود.
أول ما سهام شافتني دخلت، صرخت بوجه مغضوب وبدأت التمثيل: “هي ليها عين تيجي وتقعد وسط الناس الشرفاء دي؟ دي جاية بعد ما دنست بيتي ووطت رأسنا كلنا في الطين؟!”
كمال حط إيده على كتفها يتظاهر بالرزانة وقال بنبرة خبيثة: “يهديكي ربنا يا سهام.. إحنا كبار ونعرف الأصول. إحنا جمعناكم يا جماعة عشان ننهي الموضوع ده بالستر ومن غير بليس وشرطة، احتراماً لروح أبونا الله يرحمه. بس بشرط، فلانة تتنازل عن نصيبها في بيت العيلة بالكامل لسهام، كتعويض الأدبي عن القرف اللي عملته في بيتي، وتلم نفسها وعيالها وتختفي من العيلة خالص!”
كبار العيلة هزوا رؤوسهم بقلة حيلة، وواحد من أخوالي قرب وقال: “يا بنتي اتقي الله ووقعي على التنازل واطلعي من المصيبة دي بأقل الخسائر، بدل ما كمال يوديكي في داهية وتضيعي عيالك!”
في اللحظة دي، وقفت في نص الصالة، ورأسي مرفوعة لأول مرة من يوم ما جوزي مات. بصيت في عين كمال وسهام وقلت بصوت جهوري هز القاعة كلها: “أنا مش حنّي رأسي، ومش حوقع على ورقة واحدة! والبيت ده حق عيالي اليتامى وما حدش هياخد منه قيراط واحد. القذر اللي يدبر الفضايح عشان يسرق الورث، هو اللي لازم يوطي رأسه ويغور بره القعدة دي!”
سهام وقفت وهي بتصرخ وتسبني، وكمال قام من مكانه بغضب وقال: “أنتِ كمان لسه لسانك طويل؟ أنا معايا شهود العيلة كلها اللي شافوكي بهدومك الداخلية في حمام بيتي!”
هنا، دخل الواد حازم ابن عمي ومعه شاشة عرض صغيرة ووصلة شغلها في نص المجلس، والعم راضي وقف وضرب بكفه على الطاولة بقوة صوتها أرعب الكل وقال: “بس يا كمال أنت وهي! الكذب خلاص وقته خلص، والنهارده الحساب!”
حازم شغل الفيديو على الشاشة.. الفيديو اللي سحبه من سيرفر كاميرات المراقبة الخاصة ببيت كمال نفسه.
ظهرت الشاشة واضحة وصريحة وصوت الصورة نقي جداً: الشاشة جابت الممر والشقة قبل الواقعة بـ 10 دقائق. ظهرت سهام وهي واقفة بتتكلم مع كمال بصوت واطي وبترتب معاه الفخ، وسمع الجميع صوت سهام وهي بتقول لكما بالحرف: “هي جوه بتهدم هدومها عشان تحمّي البت.. ادخل أنت وقفل الباب أول ما أسمع الصوت هصوت وألم العيلة، وعايزة كبار العيلة يمسكوها متلبسة عشان نلوي دراعها وتتنازل عن بيت أبونا!”
كمال على الشاشة كان بيضحك ويقولها: “طب أقولهم إيه لما يدخلوا؟”، سهام ردت عليه: “قولهم هي اللي ندهت عليك تتصلح الحنفية وحاولت تغريك!”
صمت قاتل وعميق نزل على القاعة. النظرات كلها اتحولت في لحظة واحدة من ناحيتي.. لاتجاه كمال وسهام!
وش كمال اصفرّ وبقى زي الجثة، وعينيه بقت تتنقل في الصالة برعب وهو مش مصدق إن سره انحرق قدام الكل بالصوت والصورة. وسهام أغمى عليها من الصدمة وطاحت على الكنبة زي الفراخ المذبوحة، بعد ما قناع الشرف المزيف وقع واتكشفت حقيقتهم الأقذر من القذارة قدام العيلة كلها!
الصمت اللي نزل على الصالة في اللحظة دي كان أصعب وأتقل من أي صوت. صمت يشبه الصمت اللي بيسبق الانفجار. كل القرايب والأعمام والأخوال اللي كانوا بيبصولي من شوية بنظرات قرف واشمئزاز، رؤوسهم اتلفتت كلها في ثانية واحدة ناحية كمال وسهام. النظرات اتغيرت تماماً، التهمة اللي كانت متفبركة عليا طارت في الهواء، والبشاعة كلها اتجمعت فوق وشوشهم هم الاتنين.






