
أنا وجوزي تبنّينا أخ وأخته الصغيرة بعد ما كل العائلات التانية رفضت تاخدهم — وبعد شهر، أمهم الحاضنة القديمة اتصلت بيا وقالتلي: «هما لسه ماقالولكيش ليه اختاروكي إنتِ؟»
أنا وجوزي كنا دايمًا بنحلم يكون عندنا بيت مليان عيال، لكن بعد خمس سنين من المحاولات ومن غير ما ربنا يرزقنا بأطفال، قررنا في الآخر إننا نتبنى.
لما اتواصلنا مع إحدى جمعيات التبنّي في القاهرة، عرّفونا على بنت صغيرة عندها أربع سنين اسمها جنى. كانت طفلة جميلة وطيبة، وابتسامتها الكبيرة خلتنا نحبها من أول لحظة.
لكن الأخصائية الاجتماعية حذرتنا إن فيه حاجة لازم نعرفها.
جنى كان عندها أخ أكبر منها اسمه ياسين، عنده ستاشر سنة، وكان لازم الاتنين يتبنّوا مع بعض.
يعني لو هنضم جنى لعيلتنا، لازم ياسين يبقى جزء من عيلتنا هو كمان.
قلبي وجعني لما عرفت اللي حصل قبل كده.
عيلة ورا عيلة كانوا بيتعلقوا بجنى وبيحبوها، لكن أول ما يعرفوا إن عندها أخ مراهق، كانوا بيتراجعوا.
كانوا عايزين البنت الصغيرة اللي عندها أربع سنين، مش ولد عنده ستاشر سنة كانوا متخيلين إنه أكيد هيجيب معاهم مشاكل.
وياسين كان عارف ده.
كان عارف إن الناس كانت بتختار أخته وتسيبه هو.
ومع ذلك، إحنا ماخوفناش الكلام ده.
إحنا كنا عايزين عيلة، والاتنين دول كانوا محتاجين عيلة بنفس القدر.
البداية ماكانتشي سهلة.
جنى كانت بتصحى بالليل وهي بتعيط، وياسين كان تقريبًا مش بيتكلم معانا.
وكان دايمًا مخلي حاجته متوضبة في شنطته، كأنه مستني في أي لحظة إننا نغيّر رأينا ونقول له إنه لازم يمشي، زي ما حصل معاه قبل كده.
لكن واحدة واحدة، بدأوا يفتحوا لنا قلوبهم.
وبعد شهر، جنى بقت بتقول على بيتنا «بيتنا»، وياسين أخيرًا بدأ يضحك معانا وإحنا قاعدين على السفرة.
ولأول مرة، حسّيت إننا فعلًا بقينا عيلة حقيقية.
لكن بعدها، في يوم، اتصلت بيا الست اللي كانت بتربيهم في فترة الرعاية قبل ما يجوا يعيشوا معانا.
افتكرت إنها عايزة تطمن عليهم، فطمنتها وقلت لها إن الاتنين بخير وإن الأمور ماشية أحسن مما كنا نتوقع.
لكن بدل ما صوتها يبقى مرتاح، سكتت فجأة.
كان فيه صمت غريب على التليفون.
وبعدين قالتلي:
— هما لسه ماقالولكيش ليه اختاروكي إنتِ؟
ابتسامتي اختفت فورًا.
قلت لها وأنا مش فاهمة:
— اختاروني أنا؟ إنتِ بتتكلمي عن إيه؟
حسّيت قلبي بدأ يدق بسرعة.
فضلت ساكتة مستنية ردها، وأنا مش عارفة إيه السر اللي ممكن يكون الولدين مخبينه عني.
وبعدين قالت جملة واحدة…
الجملة دي خلتني مش عارفة أنطق من الصدمة.
— ياسين وجنى مش بس وافقوا يجوا عندك… ياسين هو اللي اشترط على الجمعية إنكم إنتِ وجوزك بالذات اللي تاخدوهم، ورفض أي عيلة تانية قبلكم.
نزلت الجملة عليا زي المية الساقعة. وقفت في نص الصالة مش عارفة أجمع أفكاري ولا أفهم قصده إيه.
سألتها بصوت برعشة مش قادرة أخبيها:
— يعني إيه؟ ياسين يعرفنا منين أساساً؟ إحنا شفناهم لأول مرة في مقر الجمعية من شهر!
تنهدت الست من الناحية التانية وقالتي بكلام هادي بس تقيل:
— ياسين مش طفل صغير يا مدام.. ياسين عنده ستاشر سنة، وعاش ظروف خلته يفتح عينيه على الدنيا بدري قوي. من يجي ست شهور، لما عرف إن ورقكم لإجراءات الكفالة اترفض في الأول لسبب إداري بسيط، وشاف حزنكم وإصراركم، بدأ يتابع قصتكم. كان بيدخل على صفحة الجمعية، وسأل الأخصائية عنكم بالاسم. عرف إنكم بتحاولوا بقالكم خمس سنين، وعرف إنكم أصحاب بيت هادي ومعندكوش غرض غير إنكم تفتحوا قلبكم لطفل.
سكتت لحظة وكملت:
— ياسين كان بيترفض من كل العيلات عشان سنه، بس لما قرا عنكم، قال للأخصائية: «العيلة دي هي الوحيدة اللي مش هترميني لما تلاقيني كبرت، دول بقالهم سنين بيحلموا بعيلة، ومش هيستغنوا عننا». هو اللي طلب من الجمعية يعرضوا عليكم تكفلوا جنى بشرط إنكم تاخدوه معاها.. كان مراهن إن قلبكم الكنع هو الوحيد اللي هيستحمل وجوده.
قفلت السكة بعد ما تمنت لي التوفيق، بس أنا فضلت واقفة مكاني مش قادرة أتحرك.
كل الشكوك والتردد اللي كان عند ياسين طوال الشهر اللي فات ظهر قدامي بمنظور تاني خالص. شنطته اللي كان دايمًا سايبها متوضبة جنب السرير، سكوت نظراته المترقبة، الخوف اللي في عينيه.. كل ده ماكانش بس خوف من إنه يترفض، ده كان خوف أكبر إنه يكون اختار العيلة الغلط، أو إننا نكتشف إنه هو اللي اختارنا فنحس إنه فرض نفسه علينا.



