
لفيت وشي بالبطيء، لقيت ياسين واقف في آخر الممر بين الأوض، بصصلي بنظرة كلها توتر. كان باين على وشه إنه سمع أجزاء من المكالمة، أو على الأقل حس إن فيه حاجة اتغيرت في الهواء.
إيديه كانت جوه جيوب بنطلونه، وكتفه مشدود، ورجع خطوة لورا كأنه بيستعد للصدمة أو للقصة اللي حافظها عن ظهر قلب: إن العيلة تعرف الحقيقة، فتقرر إن الموضوع أصلًا كان لفة وملاعبة، وتتراجع.
قربت منه بخطوات هادية، وحاولت أتحكم في أنفاسي. كل ما أقرب، كل ما إيديه تضغط أكتر جوه جيبه ووشه يتطبع بالجمود اللي كان بيستخبى وراه أول ما جه بيتنا.
وقفت قدامه، وبصيت في عينيه دايركت.
قالي بصوت واطي ومكسور، وسابقني بالدفاع:
— أنا آسف.. أنا عارف إنك زعلانة.. بس أنا والله ماكانش قصدي أخدعكم، أنا بس… أنا بس كنت خايف.
دمعة واحدة نزلت من عيني، بس المرة دي ماكانتشي دمعة صدمة ولا زعل.. كانت دمعة وجع على ولد عنده ستاشر سنة شال هموم جبال عشان يحمي نفسه وأخته الصغار.
سألته بصوت هادي:
— خايف من إيه يا ياسين؟
فرك إيديه ببعض بقلة حيلة ونزل رأسه في الأرض وهو بيحاول يمسك نفسه:
— كنت خايف ترفضوا لو عرفتوا إن أنا اللي اختارتكم.. الناس دايماً هي اللي بتختار الأطفال وتتنك عليهم، مافيش حد بيقبل إن طفل مراهق هو اللي يحدد مصيره ويختار عيلته. كنت خايف تقولوا عليا بلف وبدور.. بس أنا لما قريت عنكم في الجمعية وسمعت الأخصائية بتتكلم عن طيبتكم وإصراركم، حسيت إن ده المكان الوحيد في الدنيا اللي جنى وأنا هنبقى فيه أمان.. بس أرجوكي.. ما تزعليش من جنى، هي مالهاش ذنب، هي ما تعرفش حاجة.
في اللحظة دي، خرجت جنى من أوضتها وهي ماسكة لعبتها الصغيرة، وبصت لنا بنظراتها البريئة وهي مش فاهمة إحنا واقفين كده ليه.
بصيت لياسين، ولأول مرة حسيت بحجم المسئولية والجميل اللي الولد ده حطه على كتافنا من غير ما يدري. هو مش بس قبل يعيش معانا، هو اختارنا من بين كل الناس عشان نكون أهله.
قربت منه أكتر، ومسكت إيديه الاثنين اللي كانوا بيرتعشوا.
قلت له وأنا ببتسم من وسط دموعي:
— مين قالك إننا زعلانين؟ يا ياسين، إحنا بقالنا خمس سنين بنتدعي ربنا يرزقنا بعيلة.. وإنت بذكائك وقلبك الكببير ده جيت وحققت الدعوة دي. إنت ما خدعتناش.. إنت أنقذتنا زي ما إحنا حاولنا ننقذكم.
ياسين رفع رأسه بسرعة، وعينيه توسعت مش مصدق الكلام اللي بيسمعه. كان مستني زعيق، أو عتاب، أو حتى مكالمة للجمعية للترجيع، بس ماكانش متوقع الإجابة دي أبداً.
دمعة نزلت من عينيه، ولأول مرة من يوم ما دخل بيتنا، شال الحواجز، وفك كتفه المشنوق، ورمى نفسه في حضني وهو بيعيط بصوت مكتوم، كأن هم ستاشر سنة طلع في اللحظة دي.
حضنته بقوة وانا بطبطب على ظهره، وجنى جرت علينا ومسكت في رجلين أخوها وهي بتضحك وتحضننا معاهم.
في اللحظة دي بالذات، استوعبت إن العيلة مش بالدم، ولا بالأوراق الرسمية.. العيلة هي الاختيار. وياسين اختارنا، وإحنا اخترناه، ومفيش أي حاجة في الدنيا هتغير ده تاني.
بس تاني يوم الصبح، لما صحينا عشان نبدأ صفحة جديدة بجد ومن غير أي أسرار، خبط باب البيت خبطات قوية ومتسارعة.. ولما فتح جوزي الباب، لقينا واقف قدامنا شخص ماكناش نتوقع إننا نشوفه أبداً، شخص هيقلب كل حاجة عشناها في الشهر ده رأسًا على عقب…
فتح جوزي الباب، ووقفت أنا ورى منه بإصابة بالدهشة والذهول لما شفنا راجل في أواخر الأربعينات، وشه مجهد وهدومه مش متهندمة، بس الملامح كانت قريبة بدرجة ترعب.. كانت فيه لمحة من وش ياسين وجنى.
وقف الراجل ينهج، وبص لنا بنظرات متخبطة بين الخوف والتردد، وقبل ما أي حد فينا ينطق كلمة، نطقت جنى من ورانا بصوت واطي وببراءة صدمتنا كلنا:
— بابا؟
الكلمة نزل علينا كلنا زي الصاعقة. جوزي اتسمر مكانه ومسك إيد الباب بقوة، وأنا حاسيت ببرودة بتسري في جسمي كله. لفيت بصيت لياسين اللي كان واقف في نص الصالة، وشفت وشه بيتحول في ثواني من الهدوء للرعب، وبعدين للغضب الشديد.
عضلات وشه اتشدت، وقفل إيديه بقوة، وجري على الباب بكل قوته وهو بيزعق بصوت هيستيري هز أركان الشقة:
— إنت إيه اللي جابك هنا؟! امشي! أطلع برة وبيتنا مالكش دعوة بيه!
جوزي مسك ياسين بالعافية عشان يهديه ويمنعه إنه يتصادم مع الراجل، بينما الراجل رفع إيديه لفوق بإشارات اعتذار ورجاء، وصوته كان بيرتعش وهو بيكلمنا:
— أرجوكم.. أرجوكم اسمعوني بس خمس دقائق.. أنا عارف إنكم متفاجئين، وعارف إن ياسين كرهني، بس أنا ما هربتش ولا سبتهم برغبتي.. أنا كنت بتعالج ومحبوس في ظروف خارجة عن إرادتي، ولما خرجت وتدورت عليهم وعرفت إنهم عندكم، جيت جري عشان أشوفهم.
ياسين كان بيحاول يفلت من إيد جوزي والدموع مغرقة وشه بس دموع غضب:
— كداب! كداب يا أستاذ ما تصدقوش! ده سابنا من سنتين لما أمي ماتت! ساب جنى وهي عندها سنتين ورمانا في الشارع ولما الجمعية أخدتنا ما سألش عننا ولا مرة! جاي دلوقتي ليه بعد ما بقينا مبسوطين وعندنا عيلة؟! امشي من هنا!
وقفنا أنا وجوزي في موقف لا نحسد عليه. من ناحية، الراجل ده بيطالب يشوف عياله وبيقول إن عنده أسباب، ومن ناحية تانية، الأوراق الرسمية للرعاية والتكفل كانت باسمنا وفي طريقها للتوثيق النهائي، والأهم إن ياسين وجنى عاشوا مأساة حقيقية بسببه.
جوزي حاول يتدارك الموقف عشان الجيران وعشان الأطفال ما يترعبوش أكتر من كده. بص للراجل بصرامة وقال له:
— أستاذ.. الكلام والزعاق على الباب مش هيحل حاجة. إنت عارف إن فيه جمعية وفيه أوراق ورعاية رسمية. لو عندك كلام تقول، مش هيبقى هنا بالأسلوب ده.
الراجل بص لجنى بكسرة عين، والدموع نزلوا من عينيه، وبعدين بص لنا وقال بصوت خافت:
— أنا مش جاي أخد هم بالعافية، أنا عارف إني أذنبت في حقهم.. أنا بس عايزكم تعرفوا الحقيقة، وتعرفوا إن فيه أوراق ومستندات في المحكمة أنا قدمتها عشان أسترد حضانتهم.. أنا أتعافيت وشغلي رجع، ومن حقي أصلح غلطتي.
أول ما قال كلمة «مستندات في المحكمة» و«أسترد حضانتهم»، حسيت الأضلاع اللي في صدري بتضغط على قلبي. بعد خمس سنين حرمان، وبعد الشهر اللي بقينا فيه عيلة حقيقية والولاد بدأوا يحسوا بالأمان معنا، أصلًا المظلة دي كلها كانت مهددة بإنها تتهد في لحظة؟
الراجل ساب كارت صغير فيه اسمه ورقم تليفونه على التربيزة اللي جنب الباب، وقال بصوت حزين:
— أنا هدمشي دلوقتي عشان ياسين ما يجرالوش حاجة.. بس التليفون ده معاكم، والمحامية بتاعتي هتتصل بالجمعية وبسيدتك يا أستاذ بكرة.. أرجوكم ما تظلمونيش قبل ما تسمعوا قصتي.
مشي الراجل وقفلنا الباب، وساد صمت تقيل ومخيف في الشقة.
جنى كانت خايفة ومش فاهمة حاجة، دخلت الأوضة ومسكت عروستها ونامت على السرير وهي حاطة إيدها على أذنها. أما ياسين، فقعد على الأرض وضمه رجليه لراسه، وكان بيعيط بصوت مكتوم ويردد:
— مش هروح معاه.. مش هسيبكم.. والله لو عملوا إيه مش هروح معاه وياخد جنى مني تاني.
قعدت جنبه على الأرض وحضنته بكل قوتي، وجوزي قعد الناحية التانية وحط إيده على كتفه.
قلت له بصوت ثابت رغم الرعب اللي جوايا:
— حدش في الدنيا يقدر ياخدكم مننا يا ياسين.. إحنا مش هنفرط فيكم، وإنت اخترتنا وإحنا اخترناك، والأوراق والقانون معانا.
بس جوايا، كان الخوف بياكل في قلبي.
تاني يوم الصبح، اتصلت بينا الأخصائية الاجتماعية من الجمعية، وصوتها كان متوتر جدًا. طلبت منا نيجي فورًا لمقر الجمعية لأمر عاجل.
أخدنا الولاد ورحنا. ولما دخلنا مكتب المدير، لقينا الراجل (والدهم) قاعد ومعاه محامية، وحاطط ملف أوراق قدامه على التربيزة.
مدير الجمعية بص لنا بأسف وقال:
— للأسف يا مدام.. الأستاذ قدم المستندات الرسمية اللي بتثبت إنه كان في رحلة علاج قسرية خارج البلاد، وإنه ما سابهمش بإرادته، ورفع قضية إثبات أصل وإعادة حضانة.. والقانون في الحالات دي بيدي الأولوية للأب البيولوجي لو ثبت تعافيه وقدرته على الرعاية.




