
صوت خالد جه من الناحية التانية مستغرب ومصدوم، والصوت في التليفون كان عالي لدرجة إن محمود وحماتي سمعوه كويس: “إيه يا أمينة؟ لفوا وارجعوا إزاي؟! إنتي بتقولي إيه؟! إحنا على السفر وباقي ساعات ونكون عندكم.. في إيه يا بنتي، نطقيني قلقتيني، حد ضايقك؟ محمود عامل معاكي حاجة؟!”.
خدت نفس عميق ودموعي نازلة بغزارة، وصوتي طلع مهتز بس حاسم وأنا باصة لمطرح ما محمود واقف عاجز مش عارف يعمل إيه:
“يا خالد.. تعالالي.. تعالالي حالا على العنوان اللي هبعتلهالك في رسالة، وماتخليهمش يكملوا السفر لحد ما تاخدني.. أنا مش قاعدة هنا.. أهلي ما يتهانوش يا خالد، وهم أهانوا أهلي!”.
قبل ما خالد يلحق يسأل أكتر، قفلت السكة في وشه ورميت التليفون جوه الشنطة. حماتي “نرجس” اتنطقت فجأة، وقالت بصوت مسموع ومليان سخرية ووقاحة:
“شوفي قليلة الأصل! بتكلم أخوها عشان تيجي تعمل عليا بطلة! طب والله ما أنتي متحركة من البيت ده، ولو راجل من ضهر راجل جه خدك.. إحنا نجيب بنت الناس نربيها، تقوم هي وعيلتها تفتكر نفسها في فندق خمس نجوم؟! اقعدي في أرضك ياختي، ووريني أخوكي ده هيعمل إيه لما يجيلنا، ده إحنا نشربه الشاي ونعرفه مقامه!”.
محمود وقف قدامي ومد إيده عشان ياخد مني الشنطة بالقوة، وقال بصوت بيحاول يكون خشن بس كان باين عليه الرعب من فضيحة الشارع:
“بطلا جنان بقي يا أمينة! عيب، هتفضحينا قدام الجيران، أهلي قاعدين وبره في الشارع، وأخوكي لو جه هيحصل خناقة ملهاش لازمة.. سيبي الزفتة الشنطة دي وادخلي أوضتك، وأنا هقعد مع أمي وأفهمها، ويلا اعملي أكل لأهلك من اللي عندنا وخلاص وخلصينا!”.
بصيت له نظرة عمره ما هيساها، نظرة كره واستحقار لكل لحظة ضعف ضعفتها معاه قبل كده، وقولت له بصوت هادئ بس مرعب:
“أنا مش هقعد دقيقة واحدة مع ناس بتعد اللقمة على ضيوفها، وبتعاير مراتها الحامل إنها بتاكل وتشرب من خيرهم! كفاية عليا الست شهور اللي عشتهم في جحيمكم، وكفاية ذل.. ووريني بقي يا طنط انتي وابنك مين فيكم هيقدر يمنعني أخرج من الباب ده!”.
سبتهم واقفين مذهولين، ومشيت بخطوات ثابتة رغم الوجع اللي كان واكلي بطني، وفتحت باب الشقة وخرجت على السلم، وورايا محمود بيزعق وبيترجاني أدخل، وحماتي بتصوت وتقول:
“سيبيها تولي، بنت الأصول ما تعملش كده، خليني أكسر وراها قلل! بكرة تندم وترجع تجري على بابنا ذليلة!”.
نزلت على السلم وأنا حاسة إن روحي بترجعلي مع كل خطوة ببعدها عن الشقة دي. قعدت على مدخل العمارة بستنى خالد، وقلبي بيدي إن أهلي ما يكونوش قربوا يوصلوا عشان يتعبوا السفر على الفاضي. وبعد اقل من ساعة، لقيت عربية أخويا خالد وقفت قدام العمارة، ونزل منها وهو عيونه زايدة من الغضب والقلق، وبص حواليه لحد ما شافني قاعدة على السلم وماسكة شنطتي.
جری عليا خالد بخطوات واسعة، ووطى مسك إيدي وقامني وقال بصوت ملهوف ووشه أحمر من الغضب:
“أمينة! إيه اللي حصل يا بتي؟ شكلك عامل كده ليه؟ ومين مزعلك للدرجة دي تخليكي تقولي الكلام ده في التليفون؟ فين محمود وفين أهله؟”.
أول ما شوفت خالد، انهيارت في عياط هستيري، وحطيت إيدي على وشي وأنا بقوله بين صياحي:
“أهانوا أهلي يا خالد.. أهانوا أبويا وامي وقالوا كلام يوجع القلب.. وقالوا أهلي جايين يشحتوا ومش فاتحين مطعم.. ومرضوش يعملوا لهم أكل عشان خايفين على المصاريف، ومراتي عمه عايرتني بأكل وشرب اللي باكله!”.
خالد عروقه ظهرت في رقبته ووشه اتقلب 180 درجة، وقال بصوت عالي جاب آخر الشارع لدرجة إن الجيران خرجت تطلع بلكوناتها:
“مين دول اللي أهانوا أهلك؟! أهلي اللي تعبوا وربوا وسافروا ساعات عشان يفرحوا بيكي وبالحولد؟! والله ما هسكت، وديني ما هطلع من هنا غير وأنا واخد حقي وحق أبوكي اللي عمر ما حد قدر يبصله بنظرة وحشة!”.
في اللحظة دي، النور قطع في الشارع، والباب بتاع العمارة اتفتح، وطلع محمود وراه أمه نرجس وهم نازلين عشان يلحقونا قبل ما نمشي، وحماتي شافت خالد واقف متعصب، فقالت ببرود وقسوة وهي حاطة إيديها في جنبها:
“أه، أهو أخوها جه، كويس إنكم جيتوا عشان تاخدوها وترتاحوا من وجع دماغها.. إحنا مش قد أكل وشرب العائلات، ومراتك لسه صغيرة وما تعرفش أصول بيت العيلة”.
خالد مااستناش جملة حماتي تكمل، وطلع على السلم خطوتين وبص لها نظرة مرعبة وقال لها بصوت صارم:
“عيب عليكي يا ست إنتي، دي بنت راجل كبرات، وجاية بيت جوزها بكرامتها، مش شايلة شنطة هدومها وماشية عشان أكلكم ولقمتكم اللي بتعدوها عليها! وحسابكم ده معايا أنا وأبويا لما يوصل، وأمينة مش قاعدة في البيت ده دقيقة واحدة زيادة!”.
محمود حاول يتدخل ويحط إيده على كتف خالد ويقوله:
“يا خالد اهدى بس، البنت عصبية من الحمل وأمي كانت بتهزر.. تعالوا نطلع فوق ونتفاهم بالهداوة”،
بس خالد زق إيده بقوة وقال له:
“ابعد إيدك عني! ولا هزر ولا زفت، الكلمة اتطقت والوجع اتشرخ في قلب أختي، ومن النهارده مفيش عيش ولا ملح يجمعنا بيكم.. يلا يا أمينة”.
خدني خالد ومشينا ورا بعض وركبنا العربية، وبصيت ورايا للمكان اللي دخلته برجليه ملكة وطلعت منه مقهورة ومكسورة، بس وسط كل الدموع دي، حسيت بنفَس جديد بياخده ابني اللي في بطني، وإني كسبت كرامتي حتى لو خسرت كل حاجة تانية. طول الطريق وأنا حاطة إيدي على بطني، وخالد عمال يحلف إن أبوي هيعرف كل كبيرة وصغيرة، وإن اللي حصل ده مش هيعدي بالساهل أبداً، وإني من النهاردة مش هقرب للبيت ده تاني طول ما أنا عايشة.
طول الطريق للعزبة، وأنا حاطة إيدي على بطني، والوجع اللي جوايا أكبر بكتير من وجع الحمل. خالد كان سايق العربية وعروقه بارزة من كتر الغضب، وعمال يخبط بإيده على الطارة ويقول بصوت مكسور ومليان غل:
“والله العظيم تلاتة ما هسيب حقك يا أمينة، ولا هخلي أبوكي يشيل الكسرة دي ابداً! هما مفكرين عشان أنتي في بيتهم يبقى يعملوا فيكي اللي هما عايزينو؟ دي أصول إيه دي اللي تمنع الأهل من زيارة بنتهم وهي حامل في ابنها؟! والله لأعرفهم مقامهم صح!”.
أنا كنت قاعدة ساكتة، دموعي بتنزل في صمت من غير صوت، وبفكر في بابا وماما اللي زمانهم على أطراف البلد، راكبين عربيتهم وفرحانين، شايلين شنط مليانة خير الدنيا، جايين عشان يباركوا لي ويفرحوا بيا، ومش عارفين إن بنتهم مرمية على السلم وإن كرامة أبوهم انهدت على عتبة بيت العيلة! قلبي كان بيتقطع عليهم، وكنت خايفة أول ما يقابلوهم، أو التليفون يرن ويقولوا: “احنا وصلنا يا بنتي، أنتي فين؟”، هقولهم إيه وقتها؟ هخبي عليهم إزاي إنهم اتهانوا وإن أكلهم وشربهم اتحسب عليهم بالقرش؟
أول ما دخلنا القرية، لقيت عربية أبويا وأمي واقفة قدام بيتنا القديم، وخالد وقف العربية بسرعة ونزل فتح لي الباب ومسك إيدي بحنان وقال:
“انزلي يا أمينة، واعتبري نفسك في بيت أبوكي اللي عمره ما اتقفل في وش حد، ولا عاش يوم مكسور ولا ذليل”.
دخلت من باب البيت، وأمي “سعاد” طلعت تجري من جوه وشها منور بالفرحة، وفاتحة دراعاتها عشان تحضني وتقول:
“يا مرحب بالعروسة.. يا الف مليون مبروك يا ضنايا، خايفة عليكي وعلى اللي في بطنك.. أومال فين محمود مجاش معاكم ليه؟”.



