Uncategorized

حكايات احمد عمار 2

جلس فادي مذهولاً على أطراف الأريكة، وكأن الكلمات قد تبخرت من رأسه، بينما استمرت نانسي في النحيب  تام، غير مصدقة أن خطتهما المحكمة قد تفككت وتحولت إلى كارثة حقيقية خلال دقائق معدودة.

تقدّم المحامي شريف بخطوات هادئة نحو الطاولة، وأغلق الملف الأسود بعناية، ثم التفت إليّ وقال بصوت مهني:

«يا مدام نادين، لقد قمت بتوثيق كافة الإجراءات القانونية الأولية، وسأقوم بتقديم طلبات والبلاغات المرتبطة بالتجاوزات المالية والسرقة العُرفية والرسمية صباح الغد الباكر أمام الجهات المختصة. هل تحتاجين إلى أي إجراء إضافي هذه الليلة قبل أن أغادر؟»

نظرتُ إليه بامتنان وأجبته بهدوء تام:

«شكرًا لك يا شريف على جهودك وسرعتك. لقد قمْتَ بكل ما يجب، وأعتقد أن باقي التفاصيل سنتابعها في المكتب غدًا.»

أومأ شريف برأسه احترامًا، وودعنا، ثم غادر المنزل وأغلق الباب خلفه بهدوء، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلاً لا تقطعه سوى شهقات نانسي المتقطعة.

وقفتُ أمام فادي الذي رفع رأسه ببطء، وكانت عيناه محمرتين وممتلئتين بالرجاء المكسور. وقف هو الآخر على استحياء، واقترب مني بخطوات متعثرة، وصوته يرتجف بشدة:

«نادين… أرجوكِ، ألا تزالين تحملين ذرة واحدة من مشاعر ثمانية عشر عامًا عشناها معًا؟ هل يُعقل أن تنتهي كل حياتنا بهذه السرعة وبهذه القسوة؟ ألا يمكننا الجلوس معًا، وحدنا، لنصلح ما يمكن إصلاحه بعيدًا عن المحاكم  القانون؟»

نظرتُ إليه نظرة طويلة، لم تكن مليئة بالغضب هذه المرة، بل بالبرود المطلق الذي يقتل أي أمل في العودة. قلت له بصوت حازم وثابت:

«تتحدث عن ثمانية عشر عامًا يا فادي؟ أنتَ من دمرتها حين تخليت عن الأمانة واخترت الخيانة. الكسر الذي يحدث في الزجاج لا يعود أبدًا كما كان مهما حاولنا لصقه، وما فعلته أنتِ ونانسي تجاوز حدود الخطأ البسيط ليصبح خيانة صريحة لكل معاني العشرة والمودة. والآن، انتهى الكلام.»

التفتّ بعد ذلك نحو نانسي التي كانت تترنح في مكانها، وجهها شاحب وملامحها مشوهة من كثرة البكاء. قلت لها بحدة:

«أما أنتِ يا نانسي، فأنصحكِ بأن تجمعي أوراقك الشخصية وما تبقى لكِ من أغراض هنا، وتغاردي منزلي فورًا قبل أن يعود أليكس ليتخذ إجراءات قانونية أخرى أشد قسوة بحقك.»

وقفت نانسي ببطء شديد، وهي تجر قدميها بخزي وذل، ولم ترد بكلمة واحدة. أخذت حقيبتها الصغيرة من على المقعد، وألقت نظرة أخيرة مكسورة ومهزومة على فادي الذي عجز حتى عن الدفاع عنها أو النظر إليها، ثم خرجت من الباب وأغلقته خلفها بصمت قاتل.

بقي فادي وحدي في الغرفة الواسعة، ينظر إلى حقيبته الموضوعة بجانبه على الأرض، تلك الحقيبة التي جهزها بروح المتحمس السافر لرحلة خيانة، فإذا به يجد نفسه مطرودًا منها وبلا حتي فرصة للدفاع عن نفسه.

حمل فادي حقيبته بثقل ويأس شديدين، واتجه نحو الباب بخطوات منكسرة. وعند عتبة الباب، التفت إلي للمرة الأخيرة وقال بصوت خافت يشبه الهامس:

«ستندمين يا نادين… ستندمين على قسوتك.»

أجبته بلا تردد وبثبات كامل:

«الندم الحقيقي هو ما تشعر به أنت الآن، ولن أندم أبدًا على استعادة كرامتي.»

فتحت له الباب على مصراعيه، وخرج إلى الظلام ودون أن يلتفت ورائه مرة أخرى. أغلقت الباب وقفْلته بإحكام، واستندت بظهري إليه، وأخذت نفسًا عميقًا وطويلاً، لأول مرة منذ أشهر أشعر فيه بالراحة والحرية الكاملة، وكأن جبلاً ثقيلاً قد أزيح عن صدري، وبدأتُ صفحة جديدة نظيفة لا مكان فيها للخداع أو الأكاذيب.

مرت ثلاثة أشهر كاملة منذ تلك الليلة الفاصلة التي غيرت مجرى حياتي إلى الأبد. ثلاثة أشهر شهدت معركة قانونية شرسة أدارها المحامي شريف بحنكة ومهارة، أسفرت في النهاية عن حصولي على الطلاق النهائي للضرر، إلى جانب نقل ملكية العقار التجاري وكافة المستحقات المالية وحصة الأسد من أموال فادي تعويضًا عن الخداع والضرر المادي والمعنوي.

أما فادي، فقد وجد نفسه غارقًا في دوامة من المشاكل والأزمات؛ فبعد أن خسر منزله وعائلته ووضعه المادي، تخلي عنه الجميع، حتى نانسي التي انتهت علاقتها به سريعًا بعد أن سقط الاثنان في قاع الخسارة ولم يتبقَ لأي منهما ما يطمع فيه الآخر. أليكس بدوره كان قد مضى في طريقه بطلاق بائن ومقاضاة قانونية صارمة أطاحت بكل حسابات نانسي الشخصية.

في تلك الصباحية الهادئة، كنت جالسة في غرفة المعيشة نفسها التي شهدت تلك الليلة المشؤومة، لكن الجو كان مختلفًا تمامًا؛ كان يعمّه السكون والراحة النفسية العميقة. لم تعد جدران هذا البيت تحمل أي ذكريات مؤلمة، بل أصبحت رمزًا لانتصار كرامتي وقوتي بعد سنوات من الاستغفال.

رن جرس الباب بهدوء.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى