
نهضت بخطوات ثابتة وفتحت الباب، فإذا بي أجد شخصًا يقف على العتبة لم أكن أتوقع رؤيته بهذه الهيئة المنكسرة. كان فادي؛ ملابسه غير مرتبة، وملامحه تكسوها التجاعيد وعلامات الإعياء الشديد، وظهر وكأن السنوات الثلاث الماضية قد مرت عليه في تلك الشهور الثلاثة وحدها.
حدق فيَّ بعينين ذابلتين، وقال بصوت متحشرج ومكسور:
«أهلاً يا نادين… هل يمكنني الدخول لدقائق معدودة فقط؟ أقسم أنني لم أعد أطلب سوى فرصة واحدة للحديث.»
نظرتُ إليه ببرود تام، ووضعت يدي على إطار الباب، وقلت بنبرة حازمة لا تقبل التاويل:
«ليس بيننا ما يُقال يا فادي. انتهى كل شيء، ووقْت الأعذار والنقاش قد انقضى منذ الليلة التي اخترت فيها أن تهدم كل شيء بيديك.»
حاول أن يمد يده متوسلاً:
«أرجوكِ يا نادين، أنا أموت كل يوم! لقد فقدتُ عملي، وفقدتُ كل ما أملك، حتى نانسي تركتني حين تشتت الأموال وذهب كل شيء. أنا تائب ومستعد لأي شروط تضعينها، فقط سامحيني وعودِي لي!»
ابتسمت بسخرية خفيفة، وأجبته بصوت واثق وقوي:
«تطلب مني السماح بعد أن باعتني وأنت في أتم عافيتك؟ ندَمك اليوم لا يعيد لي ثمانية عشر عامًا أهدرتها في الخيانة، ودعواتك بالعودة تأتي متأخرة جداً بعد أن أغلقت بابك إلى الأبد وأصبحت امرأة أخرى لا تبحث عن أشباه الرجال.»
قبل أن يفتح فاه بكلمة أخرى، أغلقت الباب في وجهه بهدوء تام، وثبتُّ القفل بصوت قوي تردد صداه في الممر.
عدت إلى مقعدي، وسكبت لنفسي كوبًا من القهوة، ونظرت من النافذة إلى الشمس وهي تشرق بدفء على يوم جديد تمامًا؛ يوم أمتلك فيه قراري، وحريتي، وكرامتي التي لن أسمح لأحد أن يمسها مرة أخرى.
مرّ عام كامل على تلك الليلة الفاصلة، عامٌ كامل كان كافياً لأغسل فيه آثار الماضي وأعيد بناء حياتي من جديد على أسس صلبة من القوة والاستقلالية. العقار التجاري الذي آلت ملكيته إليّ أصبح إدارياً يدُرُّ عليّ دخلاً ممتازاً، وبدأت أستثمر وقتي في تأسيس مشروع صغير خاص بي طالما حلمت به وتأجل بسبب حياتي السابقة، بينما تولى المحامي شريف تصفية كافة الملفات المعلقة نهائياً أمام المحاكم.
وفي أحد أيام الربيع الدافئة، بينما كنت أقف في شرفة منزلي أتأمل الشارع وأتنفس هواء الحرية والنقاء، لمعت فكرة في ذهني. تذكرت كيف بدأت تلك الحكاية بسخرية مريرة عندما ألقى فادي جملته الباردة على مائدة العشاء: «ما رأيكِ في أن نجرب شيئًا جديدًا في زواجنا؟».
ضحكت بصوت عالٍ وحدي في الشرفة، ضحكة صافية خالية من أي ألم أو حسرة. لقد كانت “التجربة” حقاً جديدة ومختلفة تماماً عما تمناه، لكنها لم تكن بالطريقة التي تخيلها، بل كانت التجربة الأقوى التي أعادت لي نفسي، وأثبتت لي أن المرأة الحقيقية لا تنكسر حين تخون الظروف ثقتها، بل تنهض من رماد الخيانة أشد قوة وصلابة.
رن هاتفي المحمول على الطاولة المجاورة. نظرت إليه فوجدت رسالة نصية قصيرة من رقم مجهول، تبدو كلماتها مكسورة تطلب العفو والصفح. مسحت الرسالة بلمسة واحدة من إصبعي، دون أن أكلف نفسي عناء قراءتها حتى النهاية، وألقيت الهاتف جانبًا ببرود تام.
لا مكان للرجوع للوراء، ولا وقت للالتفات إلى الخلف.
أغلقت باب الشرفة، والتفتُّ إلى منزلي الهادئ والنظيف الذي يفيض بالسكينة، وأنا أعلم تمام العلم أن القصة الحقيقية لحياتي لم تنتهِ بمغادرة فادي، بل بدأت لتوّها.. صفحة جديدة بيضاء بالكامل، وأنا وحدي من يملك قلم كتابة فصولها القادمة.




