قصص وروايات

جارنا كان بيكرهني حكايات اسما 2

تجمدت في مكاني، ويدي التي كانت تلمس صفحات دفتر أبي انكمشت بقوة. رفعت عيني بذعر نحو مصدر الصوت، وكان كشاف هاتفي يسلط نوره الضعيف على بداية السلالم الحجرية.

ظهرت من عتمة السلم ملامح وجه مألوفة، وجه حمل نفس النظرات الحادة التي رأيتها في مكتب المحامي قبل ساعات فقط. إنه حازم، ابن أخو الحاج سليم!

كان يقف وعلى شفتيه ابتسامة باردة مرعبة، وفي يده اليمنى عصا غليظة، وبجانبه وقف ابن أخته الآخر ويداه مكتوفتان بصمت وكأنهما كانا يتربصان بي طوال الوقت بانتظار هذه اللحظة.

قال حازم بصوت حاد ومستهزئ وهو يخطو أول خطوة داخل القبو المظلم:

— تصدقي يا ليلى؟ عمي الساذج قضى آخر أيامه وهو بيخرف، مفكر إنه لما يخبي الورق ده ويحط شرطه المعفن، هيقدر يصلح اللي عمله زمان! لكنه نسي حاجة مهمة… إن اللي اندفن زمان، المفروض يفضل بعيد، ومحدش هيسمح لواحدة زيك تيجي تدمر عيلتنا وتاخد تعب سنين علشان “شرف” وهمي!

تراجعت إلى الخلف بخطوات بطيئة، وظهر اصطدم بالجدار البارد، فقلت بصوت مرتعش لكنه محمل بالقوة:

— أنت… أنتم كنتوا عارفين باللي حصل من زمان؟! أنتم عارفين إن عمكم وأبوكم والناس دي كانوا ورا اختفاء أبويا؟!

ضحك حازم ضحكة قصيرة وباردة، وقال وهو يقترب خطوة أخرى:

— اختفاء إيه وبلاوي إيه؟ أبوكِ كان راجل بسيط وعايز يبوظ عليهم شغلهم، واستاهل اللي جاله! والمشكلة مش في اللي حصل، المشكلة في الورق اللي في إيدك ده… المستندات دي لو طلعت بره القبو ده، عيلتنا كلها هتروح في داهية، وكل الأملاك والأراضي هتروح منك ومننا وتتحول لجهات التحقيق!

فهمت اللعبة في تلك اللحظة. لم يكن غضبهم في مكتب المحامي مجرد طمع في الميراث فقط… بل كان خوفاً مدفوناً من أن تفضح هذه الوثائق واليوميات أمور عائلتهم القديمة التي ظنوا أنها أُغلقت للأبد!

صحت بوجع وغضب، ودموعي تنحدر على خدودي:

— عمكم سليم تاب، وكان عايز يظهر الحق قبل ما يرحل! وأنتم… أنتم مجرد ناس جبناء!

فقد حازم أعصابه، وتقدم بسرعة نحوي وهو يصرخ:

— هاتِ الصندوق والورق ده أحسن ما أوديكي لنفس المصير!

في تلك اللحظة الحاسمة، وبينما كان يمد يده ليخطف الصندوق من أمامي، جمعت كل شجاعتي، ورفعت الأداة القديمة الموجودة داخل الصندوق ولمست بها الهواء وأنا أصرخ فيه:

— ابعد عني! والله لو قربت خطوة واحدة، مش هسمح لك!

توقف حازم مكانه مفزوعاً وهو ينظر إلى الأداة القديمة، فرغم أنني لم أستخدم شيئاً подобное طوال حياتي، إلا أن نظرات عيني كانت تحمل إصراراً جعل حتى ابن أخته يتراجع للخلف بحذر.

لكن الصدمة لم تقتصر علينا… فجأة، ومن أعلى السلالم، تردد صوت صفارات إنذار جهات الأمن مدوية، وانعكست أضواء زرقاء وحمراء قوية على جدران القبو المظلمة!

التفت حازم ومعه ابن أخته بذعر شديد، وهتف أحدهما بارتباك:

— إيه ده؟! جهات الأمن جت منين؟!

ظهر على عتبة القبو في تلك اللحظة وجه الأستاذ رؤوف، المحامي العجوز، ومعه ضابط وثلاثة من أفراد القوة، وهتف المحامي بصوت حاسم ومجلجل:

— جهات الأمن جات عشان تمسك المتورطين في اختفاء الحاج سليم… والمسؤولين عن اختفاء والد ليلى منذ سبعة وثلاثين سنة!

اتسعت عينا حازم من القهر والرعب، وحاول الفرار نحو السلالم الجانبية، لكن الضابط كان أسرع، وانقضّ عليه هو وابن أخته، وقيّدوا أيديهما وسط صرخات الغضب والاستنكار.

وقفتُ مكاني، والأداة القديمة تسقط من يدي على الأرض، ودموع الارتياح تملأ وجهي. نظرت إلى دفتر أبي، وإلى صورة الحاج سليم، وإلى الأستاذ رؤوف الذي تقدم نحوي وقال بنبرة دافئة:

— حق أبوكِ رجع يا ليلى… وعمكِ سليم ارتاح في قبره، لأنه عرف إنكِ طلعتِ شجاعة بالقدر الكافي لتنفيذ وصيته وإظهار الحقيقة للنور.

انتهت المعاناة التي استمرت سبع سنوات في دقائق معدودة، لكن الأهم من كل الميراث والأموال، أن اسم أبي عاد طاهراً، وعادت لي روحي التي افتقدتها طوال عمري.

انتشر صدى أصوات رجال الأمن في أرجاء القبو الحجري المظلم، بينما كانت الأضواء الزرقاء والحمراء لسيارات النجدة تضيء جدران البيت من الخارج. ساد صمت ثقيل ومحمل بالهيبة، وانكسرت شوكة الخوف والضغط التي حاول حازم فرضها طوال اللحظات الماضية.

تقدم الضابط بخطوات ثابتة نحو حازم وابن أخته وهما مقيّدان، وأشار لعناصره قائلاً:

— خذوهما إلى الجهة المختصة فوراً، وتحفظوا على كافة المستندات والأداة القديمة الموجودة في الصندوق كأدلة معتمدة.

التفت حازم برأسه نحوي، وكانت عيناه تلمعان بمزيج من الخزي والغيظ، وقبل أن يتم جذبه بالقوة صعوداً نحو سلالم القبو. لم أعره أي اهتمام؛ فقد انطفأت نيرانه للأبد، وتهاوت حصون الكذب التي بناها هو وعائلته لعقود طويلة.

اقترب مني الأستاذ رؤوف، المحامي العجوز، وكان وجهه يرتسم بابتسامة هادئة ومريحة، ويداه تمسكان بمنديل صغير يمسح به عرق جبينه. نظر إليّ وقال بنبرة أبوية دافئة:

— الحمد لله على سلامتك يا بنتي… لقد أنجزتِ المهمة الصعبة، وانتهى كابوس استمر أكثر من نصف عمركِ.

نظرت إلى الصندوق الخشبي المفتوح أمامي، وإلى دفتر يوميات أبي، وإلى وثيقة اعتراف الحاج سليم التي خطها بيده قبل سنوات، وشعرت بغصة حارقة في حلقي، لكنها كانت غصة طمأنينة وراحة نفسية غامرة. مدت يدي وأغلقت غطاء الصندوق بحرص، وضممت دفتر أبي إلى صدري كأنني أحتضن روحه التي غابت عني طفلة وبرأت اليوم وهي شابة.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى