Uncategorized

حكايات نور محمد 1

نزلت على السلم وأنا مش شايفة قدامي، دموعي مكنتش دموع ضعف، كانت دموع “تحرر”. أحمد حصلني قبل ما أركب تاكسي، كان نهجه مقطوع ووشه أصفر.

مسك إيدي وقال:

 

مسك إيدي وقال بنبرة فيها رجاء مخاليط بخوف: “إنتي رايحة فين يا ندى؟ تعالي نطلع فوق ونحل كل حاجة بالهدوء، أُمي ست كبيرة ومش قصدها، وحقك عليا أنا!”

شدّيت إيدي منه بقوة وأنا بصلة في عينيه بكل حسم، بصة حسّسته لأول مرة إنه بيتكلم مع واحدة غريبة تماماً عنه: “حقك عليا دي تقولها لما تتكب كوباية شاي بالغلط، مش لما أمك ترفع إيدها تتمد عليا وأنت قاعد جنبها زي الصنم! ارجع لأمك يا أحمد، ارجع للبيت اللي فاكر إن الكرامة فيه تتدافع بثمن الأكل والشرب.”

ركبت التاكسي ورزعت الباب ورايا. السواق بصلي في المراية باستغراب من منظري، دموعي كانت نازلة بتكوي وشي بس ونين السكوت جواه صوت انتصار. طول الطريق لبيت أهلي، وشريط السنين الأخيرة بيمر قدام عيني؛ السكوت على الكلمات المسمومة، المواعيد المفروضة، الخناقات المفتعلة على أصغر التفاصيل، ونظرات الحاجة ثريا اللي كانت دايماً بتحسسني إني مجرد دخيلة مالهاش أي قيمة. بس الليلة دي، القفشة اللي قفشتها لإيدها وهي طايرة في الهوا، كانت القفشة اللي قطعت بيها غاز الخوف جوايا.

وصلت بيت أهلي، فتحتلي أمي ودخلت من غير ما أتكلم. أول ما شافت وشي والشنطة الصغيرة اللي كنت شايلاها، فهمت كل حاجة من غير ما أنطق بكلمة. اترعشت إيدي وأنا بشرب كوباية المية اللي جابتها لي، وقعدت حكيت لها كل كلمة وكل حركة حصلت في “عشا الخميس” شؤم ده.

أمي اتنهدت بوجع وقالت: “يا بنتي أنا طول عمري أقولك استحملي عشان بيتك وعشان أحمد، بس توصل لإيد تترفع؟ لأ لحد هنا والخط أحمر. اللي يفرط في كرامتك مرة، يبيعها كل يوم.”

في نفس الوقت، في بيت الحاجة ثريا، كانت القيامة قائمة ومقعدة.

الحاجة ثريا كانت قاعدة على الكنبة الكبيرة، بتتنفس بصعوبة ووشها جايب ألوان، ماسكة معصم إيدها اللي علم عليه مسكة إيدي. مروة سلفتي كانت واقفة في الزاوية، جابت كوباية مية بليمون وتقدمها بحذر، وعينيها رايحة جاية بين حماتها وبين أحمد اللي دخل البيت وهو بيخبط رجليه في الأرض زي المجنون.

قالت الحاجة ثريا بصوت مبشوح وهي بتمرغ إيدها: “شفت؟ شفت المتربية اللي جايبها من البيت اللي مش عارف ينظمها؟ مسكت إيدي! البت السنيورة كانت هتعلم عليا في بيتي وأمام سلفتها! دي قلة أدب ولازم تتربى، تطلقها يا أحمد! تطلقها النهاردة قبل بكرة!”

أحمد مسك رأسه بإيديه الاتنين وقعد على الكرسي قبالها، بصوت خايب ومتلخبط: “أطلق مين يا أمي؟ إنتي اللي رفعتِ إيدك تضربيها! ندى مهندسة ومتربية في بيت ناس، ما ينفعش تمدي إيدك عليها كدة أمام الناس كلهم! إحنا كبرنا المشكلة من لا شيء!”

قامت الحاجة ثريا فجأة وزعقت بغل: “إنت بتدافع عنها؟ بتغلط أمك عشان واحدة غريبة؟ ما أنت اللي طمعتها فينا! من يوم ما قبلت إنها تطلع شغلها وتتأخر وتتشرط علينا وهي فاكرة إن ليها كلمة! لو ما جابتهاش تحت رجلي هنا تبوس جزمتي وتستسمحني، لا أنت ابني ولا نعرفك!”

مروة سلفتي دخلت في الخط بهمس سموم: “والله يا سي أحمد أنا اتصدمت.. ندى طول عمرها هادية، بس الحركة اللي عملتها الليلة دي تبين إنها كانت شايلة كتير ومستنية اللحظة دي.. دي بصت لعماتي ببرود يخوف!”

أحمد بصلهم هما الاتنين، وحس لأول مرة بإنه محصور في مصيدة. طوال السنين اللي فاتت، كان بيقنع نفسه إن سكوته هو “حكمة” عشان يحافظ على البيت، بس الليلة اكتشف إن السكوت ده هو اللي وصل الأمور للانفجار.

مرت الأيام الثلاثة اللي بعد حادثة الخميس بطيئة وثقيلة زي الجبل.

أحمد حاول يتصل بيا عشرات المرات، تبع رسايل اعتذار، وتوسلات، ووعود إنه هيصلح كل حاجة وإنه مستعد ينقل في الشقة الجديدة اللي كنا بنفكر فيها. بس أنا مكنتش برود على أي مكالمة ولا بفتح أي رسالة. الكسر لما بيحصل في الثقة والأمان، ما بيتلمش بكلام معسول في رسايل واتساب.

في اليوم الرابع، نزلت شغلي عادي. كنت حاسة إن العمل هو المكان الوحيد اللي بيرجعلي قيمتي واستقلاليتي. زمايلي في الشغل لاحظوا إني متغيرة ومطفية، بس كابرت وكملت يومي. وأنا طالعة من باب الشركة الساعة أربعة العصر، تفاجأت بأحمد واقف مستنيني جنب عربيته.

كان باين عليه التعب، عينيه تحتها هالات سودة، وقميصه مش مكوي كعادتها لما بكون معاه. أول ما شافني، قرب عليا بسرعة وشال شنطته من على كتفه.

وقال بصوت واطي ومكسور: “ندى.. أرجوكي اديني خمس دقائق بس، نتكلم في أي مكان هادي. مش قادر أعيش من غيرك، والبيت من غيرك بقى زي المقبرة.”

بصيت له بثبات وقسوة مكنتش أعرف إنها جوايا: “أنا قلتلك كل اللي عندي يا أحمد في ليلة الخميس. اللي بينا انقطع.”

مسك إيدي بلهفة: “طب تعال نقعد في الكافيه ده، أرجوكي، لو ليا خاطرك عندك ولو بسيط.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى