Uncategorized

حكايات نور محمد 1

بدأ أحمد كلامه بنبرة مهزومة: “ندى، أنا عارف إني أخطأت.. عارف إني سكت كتير، بس والله العظيم أنا بحبك. أمي ست شديدة ومتربية على طبع قديم، فاكرة إن الكنة لازم تطيع كل حاجة. أنا اتكلمت معاها وقيلتلها إنها غلطت في حقك.”

ابتسمت بسخرية ومرارة: “قلتلها؟ بعد إيه يا أحمد؟ بعد ما رفعت إيدها عشان تضربني بالقلم؟ أنت عارف يعني إيه ست ترفع إيدها على ست تانية بحجم سنك ومقامك؟ وعارف يعني إيه جوزها يقعد يتفرج وكأنه يتفرج على مسرحية؟ إنت ما حركتش ساكن غير لما أنا مسكت إيدها! إنت اتحركت عشان دفاعي عن نفسي صدمك، مش عشان كرامتي اتجرحت!”

نزل رأسه في الأرض وقال بصوت خافت: “أنا مستعد نعمل كل اللي إنتي عايزاه.. نهجر البيت، ننقل في الشقة الجديدة فوراً، ومش هخليكي تشوفي أمي ولا تحضري ‘عشا الخميس’ ده تاني أبداً. أرجوكي ارجعيلي، أنا ضايع من غيرك.”

بصيت له بعمق، وسألت السؤال اللي كان بياكل في قلبي: “وأمك؟ لما تعرف إنك نقلت عشان أرضيك، هتعمل إيه؟ هتقول إني خطفتك، وهتفضل تضغط عليك، وأنت في أول اختبار هتضعف وترجع تلومني إني بعدتك عن أهلك. أحمد.. المشكلة مش في الشقة، ولا في الحاجة ثريا.. المشكلة فيك إنت.”

سكت أحمد وما قدرش يترد. كلامي كان زي المشرط اللي بيفتح الجرح الصح.

كملت كلامي وأنا بلم شنطتي وبقوم: “إنت محتاج تعرف يعني إيه تكون راجل صاحب قرار في حياتك، مش مجرد منفذ لأوامر بيتك. لما تعرف ده، وتعرف تحمي بيتك بجد، وقتها ممكن نفكر إذا كان ينفع نرجع ولا لأ. إنما دلوقتي.. أنا محتاجة وقت لنفسي، ومفيش رجوع لبيتك بالشكل ده.”

سُبته وقمت، ومشيت بخطوات ثقيلة بس واثقة.

في الأسبوعين اللي بعد كده، بدأت الحاجة ثريا تحس إن الموضوع كبر بجد، وإن “ندى” مش زي بقية الكناين اللي يرجعوا بكلمتين أو بضغط الأهل. أحمد كان بيتغير تدريجياً، بقى يقضي وقته كله خارج البيت، يرجع متأخر، ومابيفتحش بوقه مع أمه ولا بياكل معاهم على السفرة.

وفي يوم، دخل أحمد صالة البيت، وكانت الحاجة ثريا قاعدة مع سلفتي مروة بيكتبوا لستة طلبات.

بصت له الحاجة ثريا وقالت بجفاف: “إيه يا سي أحمد؟ ما بتبانش ليه؟ والمهندسة هانم لسه راكبة رأسها ومستنية عزومة؟”

وقف أحمد في نص الصالة، ولأول مرة في حياته، بص لأمه بنظرة قوة وتحدي مكنتش معتادة منها.

قال بصوت عالي وثابت هز جدران الصالة: “ندى مش هترجع هنا تاني يا أمي. وندى مش غلطانة. الغلط كان عندي أنا إني سمحتلك تتجاوزي حدودك معاها من أول يوم اتجوزنا فيه. أنا ماشي من البيت ده، وأجّرت الشقة الجديدة اللي جنبه شغلها، وهنقل عزالي الأسبوع الجاي.”

اتفتحت عينين الحاجة ثريا من الصدمة، وقامت وقفت وهي بتترعش: “إنت بتقول إيه؟ ببيع أمك عشان واحدة؟”

رد أحمد بمنتهى الحسم: “أنا مش ببيعك يا أمي، إنتي أمي وليكي كل الاحترام والبر، بس مراتي ليها كرامة وحق عليا أحميها، وأنا قصرت في حقها كتير. لو عايشين نشوف بعض بحدود واحترام، أهلاً وسهلاً.. غير كدة، أنا اخترت أبني بيتي صح للمرة الأولى في حياتي.”

سابهم ودخل أوضته يلم هدومه، بينما الحاجة ثريا وقفت مشدوهة، ومروة بتبص لها بذهول، بعد ما أدركوا إن الليلة اللي اتمدت فيها الإيد واتمسكت في الهوا، كانت الليلة اللي اتغيرت فيها قواعد اللعبة للقتيد كله.

وفي بيت أهلي، رن تليفوني في وقت متأخر من الليل. شفت اسم “أحمد” على الشاشة. المرة دي، قررت أرد.

رفعت السماعة وقلت بهدوء: “أيوة يا أحمد..”

جاني صوته من الناحية التانية، مختلف تماماً عن كل مرة، صوت راجل أخد قرار صعب ولأول مرة واقف على أرض صلبة: “ندى.. أنا لسه قافل شنطي، ونقلت الشقة الجديدة. مش بطلب منك ترجعي بكرة، بس بطلب منك تديني فرصة واحدة أثبتلك فيها إن أحمد اللي سكت زمان.. مات في الليلة دي.”

سكتّ لثوانٍ طويلة والسماعة على أذني، صوته عبر الهاتف كان يحمل نبرة لم أعتدها منه طوال سنوات زواجنا؛ لم تكن نبرة الاستعطاف المتخاذلة التي يهرب بها من المشاكل، بل كانت نبرة رجل أدرك أخيرًا ثقل الهزيمة وقرر أن يتحمل مسئولية خياراته.

تنهدت ببطء وقلت بنبرة هادئة ولكن غير متساهلة: “أحمد.. الخطوة التي اتخذتها اليوم ليست من أجلي أنا فقط، بل من أجلك أنت أيضًا. إذا كنت نقلت إلى الشقة الجديدة لتمنّ عليّ أو لتصالحني فقط، فصدقني ستتعب قريبًا وترى أنني السبب في إبعادك عن أهلك. أما إذا كنت فعلت ذلك لأنك أدركت حقًا أن للبيت حرمة وللكرامة خطًا أحمر، فوقتها فقط يمكن أن نبدأ الحديث.”

رد بصوت خافت ولكن وثيق: “أنا عملت كده لأني اكتشفت إني كنت خايف أكون راجل في بيتي يا ندى. كنت فاكر إن طاعة أمي بتقتضي إني ألغي وجودك، وإني لما أسكت على إهانتك بكون بشتري دماغي وبحافظ على البيت، بس اكتشفت إني كنت بهدمه بيدي كل يوم. الشقة الجديدة جاهزة، وأنا مش مستعجل، خدني على قد عقلي واديني فرصة نتقابل، نتعرف على بعض من جديد بعيدًا عن أي ضغوط.”

قلت له: “نتقابل بكرة بعد الشغل يا أحمد.. في مكان محايد.”

في اليوم التالي، التقيت بأحمد في أحد المطاعم الهادئة البعيدة عن منطقتنا القديمة. كان يرتدي قميصًا بسيطًا، وبدت عليه علامات الإرهاق ولكن عينيه كانتا حاضرتين بوضوح غير مسبوق. جلسنا، ولأول مرة منذ سنوات، لم يكن الشبح الجاسم لـ “عشاء الخميس” يتوسط الطاولة بيننا. لم تكن هناك نظرات تقييم، ولا خيارات مفروضة، ولا أسئلة ملغومة تنتظر خطأ صغيرا لتتحول إلى جحيم.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى