Uncategorized

حكايات نور محمد 1

بدأ أحمد الكلام وهو ينظر في عيني مباشرة: “أنا سلمت أوراق الشقة الجديدة، ونقلت جزءًا من العفش الأساسي. أمي رفضت تتكلم معايا وأنا نازل، ومروة كانت بتتفرج من بعيد وهي مش مصدقة إن الخطوة دي حصلت فعلاً. أمي فاكرة إني راجع بعد يومين لما أكتشف إني مش قادر أعيش من غير خدمة البيت القديم، بس أنا حسمت أمري.”

أخرج من جيبه مفتاحًا جديدًا ووضعه على الطاولة أمامي: “ده مفتاح الشقة الجديدة. الشقة دي باسمك وباسمي، ومفيش مخلوق هيعدي بابها غير بإذنك ورضاكي. أنا مش بطلب منك ترجعي معايا النهاردة، ولا بكرة.. أنا بطلب منك تديني مساحة أثبتلك فيها إن اللي حصل في ليلة الخميس كان نقطة تحول حقيقية، مش مجرد نوبة غضب وهتهدى.”

نظرت إلى المفتاح اللامع المستقر على الطاولة الخشبية. كان المفتاح يمثل فرصة جديدة، ولكن الجرح الذي أحدثته السنوات الماضية لم يكن ليلتئم بلمسة سحرية أو بمفتاح شقة.

قلت له وأنا أضع يدي فوق المفتاح دون أن أرفعه: “أحمد.. المسألة لم تكن أبدًا جدران الشقة ولا مكانها. المسألة كانت تتلخص في أنني كنت أشعر أنني مفردة ملحقة بك، لا كيان لي. عندما كانت الحاجة ثريا تتهجم عليّ بالكلمات، كنت تطلب مني الصمت لأنها ‘ست كبيرة’. وعندما كانت تتدخل في أدق تفاصيل حياتنا، كنت تطلب مني المرونة لأنها ‘أمك’. ولكن عندما رفعت يدها لتضربني، لم تكن تضرب ندى فقط، بل كانت تدهس على حضورك أنت كزوج. القفشة التي قفشتها ليدها في الهواء لم تكن دفاعًا عن وجهي من القلم، بل كانت صرخة إعلان استقلال لكرامتي التي أهدرت على أعتاب بيتك.”

أطرق أحمد رأسه بأسى وقال: “عارف.. وعلشان كده أنا مش زعلان إنك مسكتِ إيدها، أنا زعلان من نفسي إني خليتك تصلي للمرحلة دي. أنا اللي أجبرتك تدافعي عن نفسك بنفسك لما غبت أنا عن المشهد.”

اتفقنا في تلك الليلة على أن نأخذ فترة استراحة مشروطة، نلتقي خلالها بانتظام، ولكنني سأظل في بيت أهلي لبعض الوقت حتى أستعيد توازني النفسي تمامًا وأتأكد من أن التغيير الذي طرأ على أحمد هو تغيير بنيوي في شخصيته وليس مجرد رد فعل مؤقت للصدمة.

مرت الأيام، وبدأت تتكشف أبعاد جديدة للأزمة في بيت الحاجة ثريا.

كانت الحاجة ثريا تصدر للجميع في العائلة صورة الأم المظلومة التي طردها ابنها من حياته من أجل “زوجة متكبرة”. بدأت الاتصالات تتوالى على والدتي وعلى إخوتي من كبار العائلة، يحاولون الضغط عليّ للعودة والإعتذار للحاجة ثريا لتهدئة النفوس.

في أحد الأيام، زارنا عم أحمد الأكبر “الحاج عبد العظيم” في بيت أهلي. كان رجلًا مهابًا في العائلة، يُلجأ إليه في الفصل في المشاكل الكبيرة. جلس في صالتنا بكل وقار، وبعد مقدمات طويلة عن صلة الرحم وضرورة احترام الكبار، التفت إليّ وقال بنبرة حازمة:

“يا بنتي يا ندى.. الحاجة ثريا في مقام أمك، والست الكبيرة لما تزعل أو تتصرف بتسرع، واجبنا إحنا الصغيرين نعدي ونكبر عقولنا. اللي حصل ليلة الخميس كلام ما يصحش يتقال في البيوت، ومسكتك لإيد حماتك دي حركة زعلت الكل منك. المطلوب منك دلوقتي ترجعي بيتك، وتروحي للحاجة ثريا تبوسي رأسها، وأحمد يرجع يعيش في البيت الكبير والصلح خير.”

نظرت والدتي إليّ بقلق، متوقعة أن أنفجر في الرد، ولكن التغيير الذي حدث في ليلة الخميس لم يكن مجرد رد فعل لحظي، بل كان تحولًا كاملاً في طريقة إدارتي لحياتي.

تنفس بالهدوء وقلت بثبات احترامًا لسنه: “يا حاج عبد العظيم.. حضرتك رجل حق وتعرف الأصول. الأصول بتقول إن البيت اللي أعيش فيه لازم أكون فيه معززة مكرمة. الحاجة ثريا مش في مقام أمي، لأن أمي لما بتشوفني غلطانة ببتنصحني في السر، وما بترفعش إيدها تضربني أمام سلايفي وتشتمني في كرامتي. واليد التي ارتفعت لتضربني لم تكن يد نصيحة، بل يد قهر.”

وتابعت وأنا أقف بأناقة ووضوح: “أنا لم أعتدِ على الحاجة ثريا، أنا فقط منعتها من الاعتداء عليّ. ومن يطالبني بالإعتذار لأنه رأى رفعتي لإيدها دفاعًا عن نفسي، كان الأولى به أن يطالبها هي بالإعتذار لأنها نسيت سنها ومقامها وحاولت ضرب مهندسة متزوجة في بيت زوجها. أما بالنسبة لعودة أحمد للبيت الكبير، فهذا قرار يخصه هو، ولكن أنا لن أطأ بيتًا يُهان فيه كبريائي، ولن أقبل بزواج يعتمد على الخنوع.”

صمت الحاج عبد العظيم لثوانٍ، وبدت عليه المفاجأة من منطقي المتماسك ولهجتي القاطعة التي تخلو من أي قلة أدب ولكنها تتفجر بالاستقلالية. التفت إلى والدتي وقال: “الظاهر إن الجيل الجديد له حسابات تانية خالص يا أم ندى..”

ردت أمي بثبات: “الجيل الجديد من حقه يعيش بكرامة يا حاج. إحنا ربينا بناتنا على الأدب، بس ماربيناهمش يكونوا جواري عند حد.”

خرج الحاج عبد العظيم دون أن يحصل على الوعد الذي جاء من أجله. ولكن المفاجأة الحقيقية كانت موقف أحمد؛ عندما علم بزيارة عمّه لبيت أهلي، اتصل بجميعه فورًا وأخبره بحسم أن أي تدخل من العائلة يُقصد به إجبار ندى على الاعتذار مرفوض تمامًا، وأن قراره بالاستقلال في الشقة الجديدة قرار نهائي لا رجعة فيه.

كان هذا الموقف بالذات هو الاختبار الحقيقي بالنسبة لي. لأول مرة، يتصدى أحمد لعائلته كحائط صد يمنع الهجوم عني، بدلاً من أن يكون جسرًا يمرون عليه لدعسي.

مر شهر كامل.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى