روايات وقصص

انا وجوزى حكايات رومانى مكرم 1

حسام قرب بلهفة مرتبكة، وشال معايا صالح وخرجنا بيه للشارع زي المجانين. الشارع كان هادي، صرخي لم الناس، وواحد من جيراننا فتح باب عربيته وبسرعة شيلنا صالح وحطيناه في الكنبة الوراانية. ركبت جنبه، حاطة رأسه في حضني، إيدي بتترعش وهي بتلمس جهته السخنة، وببوس إيديه اللي اتشققت من الشقا في قطر عشان يجمع جنيه على جنيه. كنت بكلمه وبترجاه: “عشان خاطري يا صالح.. عشان خاطر البنات اللي ملهمش غيرك في الدنيا، فتح عينك، توغور الفلوس، يغور الدهب، يغور كل حاجة بس أنت تفضل واقف على رجلك.. يا رب يا رب ما تحرمنيش منه.”

وصلنا المستشفى، وبسرعة الدكاترة والتمريض جم يجروا بالترولي، زقوا صالح ودخلوا بيه الأوضة، والباب اتفل في وشي. وقفت ورا الباب الزجاجي، عيني مش مفارقة أجهزة القلب اللي بدأت تطلع أصوات منتظمة ومرعبة في نفس الوقت. حسام كان واقف بعيد، حاطط إيده في جيبه وساند ضهره على الحيطة، بيحاول يبان متماسك، وأمي قاعدة على الكرسي بتبكي بقلة حيلة.

مقالات ذات صلة

بعد حوالي ساعة من أطول ساعات حياتي، خرج الدكتور وهو بيمسح عرقه. جريت عليه وأنا ماسكة في قميصه: “طمني يا دكتور! صالح جوزي جراله إيه؟”

الدكتور بصلي بنظرة فيها أسى وقال: “الحمد لله لحقتوه في آخر لحظة.. الزعل والضغط العالي أدى لجلطة حادة في الشريان التاجي، مع هبوط حاد في الدوره الدموية. إحنا أديناه أدوية لإذابة الجلطة ونقلناه الرعاية المركزة، بس الوضع حرج.. الـ 48 ساعة الجايين هما اللي هيحددوا كل حاجة. أهم حاجة أصلًا إن الصدمات والنكد يبعدوا عنه تمامًا لو قام بالسلامة.”

الكلام نزل عليا زي الصاعقة. جلطة؟! صالح اللي كان أطول وأقوى راجل بشوفه، الشدة هدته في ثانية. لفيت وشي ولقيت حسام واقف ورايا، عينيا تقابلت مع عينيه، ولقيت في عينه نظرة مريبة.. مش نظرة زعل على جوز أخته، ولا ندم، كانت نظرة ترقب وتفكير في اللي جاي!

قربت منه خطوة، وصوتي كان واطي بس مسموم بالوجع: “مرتاح كدة؟ شقا الراجل اللي غرق فيه 4 سنين طار في لحظة، وهو بيموت جوة بسبباك أنت وأمي.. أنت عارف يا حسام لو صالح جراله حاجة، أنا مش هسيبك.. والدهب ده لو أنت اللي أخدته والله العظيم لأحابسك بالقانون وأفضحك قدام الدنيا كلها.”

حسام قرب مني ووشه اتغير للشر، وبصلي بثبات يقشعر له البدن: “لمي لسانك يا أمل، واعرفي أنتِ بتتكلمي مع مين! أنا أخوكي الكبيل، والدهب اتسرق ومحضر السرقة موجود في القسم ورقم المحضر معايا.. عاوزة تروحي القسم تتهمني؟ روحي! بس افتكري إنك ساعتها بترميني في السجن وبتهدي بيت عيلتك، وأمي مش هتحمل الكلام ده وتفطس في إيدنا هي كمان. والدهب لو رجع أو مرجعش، المحضر بيحقق، ومفيش دليل إن معايا حاجة.”

في اللحظة دي، حسيت إني بين نارين. نار جوزي اللي راقد بين الحياة والموت بسببي وبسبب ثقتي الغبية في أهلي، ونار أخويا وأمي اللي ظاهرهم قلة حيلة وباطنهم خيانة تقطم الضهر. أمي جيلت عليا ومسكت إيدي وهي بتبكي: “سامحيني يا أمل.. والله يا بنتي أنا أخدت الشنطة منه وشيلتها عنده لما شقته اتفتحت عشان الشقة تحت كان فيها عمال.. معرفش إن الدنيا هتتوصل للكدة، أخوكي حلفلي إن الشقة اتكسرت والدهب اتسرق.. أعمل إيه بس يا ربي؟”

بصيت لأمي ونفضت إيدها بكسرة: “أنتِ اللي ضيعتينا يا أمي.. أنتِ اللي اديتيله شقايا وشقا جوزي على طبق من دهب.. شقا أربع سنين غربة ضاع عشان طبطبتك عليه ودلعك ليه!”

مرت ليلتين وأنا قاعدة على الكرسي الحديد برة الرعاية المركزة. مكنتش بدوق النوم، ولا يدخل بؤي نقطة مية. البنات كانوا عند جارتي في الشقة، وكل شوية يكلموني في التليفون: “بابا فين يا بابا؟ هو صالح نزل عشان يفسحنا ولا هيسافر تاني؟” وكنت ببلع دموعي وأقولهم: “بابا جاي يا حبايب قلبي.. بابا بس بيخلص شغل وجاي.”

في اليوم التالت، الدكتور سمحلي أدخل لصالح الرعاية لدقايق. دخلت وأنا حاسة إن رجليا مش شايلاني. صالح كان راقد، الأجهزة متوصلة بجسمه، ووشه دبلان وجفونه مقفولة. قعدت على الكرسي جنبه، ومسكت إيده الباردة وحطيتها على خدي.

“صالح.. حبيبى.. قوم عشان خاطري.” همست بصوت مبشوح: “قوم وأنا أوعدك مش هسيب حقك.. والله العظيم لو الدهب ده تحت الأرض هجيبه، بس قوم وقف على رجليك. البنات ملهمش غيرك.. أنا غلطت لما وثقت في غيرك، وغلطت لما أمن أهلي على شقاك.. قوم وسامحني يا صالح.”

صالح حرك صوابعه بالبطء، وجفونه اترعشت، وبعدين فتح عينيه ببطء شديد. عينيه كانت تاهية في السقف، وبعدين لفت وبصتلي. كان في عينيه حزن وكلام كتير مش قادر يقوله. شفايفه تحركت بصعوبة وصوت طالع بالعافية: “الـ… الدهب يا أمل.. شقايا..”

دموعي نزلت بغزارة وبست إيده: “يغور الدهب يا صالح.. يغور كل جنيه، المهم أنت تقوملي بالسلامة.”

صالح غمض عينيه بتعب، ونزل منها دمعة حارة حرقت قلبي، وقال بصوت مكتوم: “أنا اتقطعت يا أمل.. الغربة قطعت فيا، وأهلك كسروني.. أهلك أخدوا عرق أربع سنين ورموني في الشارع.. مش هسامح.. مش هسامح حد.”

الكلمات دي كانت زي السكاكين بتدبحني. خرجت من الرعاية وأنا متخذة قرار. مش هقف أتفرج وأنا شايفة جوزي بيموت بحسرته، وأخويا عايش حياته وبيتمتع باللي مش حقه. خرجت من المستشفى وركبت توكتوك ورحت مباشرة على قسم الشرطة.

دخلت القسم وأنا قلبي بيلتعد من الخوف، بس قسوة الموقف قتلت الخوف جوايا. طلبت أقابل رئيس المباحث، وبعد انتظار دخلت مكتبه. كان المقدم أحمد قاعد ورا مكتبه، زابط صارم بس ملامحه هادية.

“خير يا مدام.. في إيه؟” سألني وهو بيبص لوشي المجهد ودموعي.

قعدت قدامه وحكيتله كل حاجة من الأول.. من أول قطر، والسبائك والغوايش، والشنطة القماش اللي سلمتها لأمي، ولما صالح نزل والخبر اللي صدمنا، لحد ما صالح وقع بجاطة وراقد في المستشفى بين الحياة والموت.

المقدم أحمد سمعني باهتمام وهو بيكتب ملاحظات. لما خلصت، بصل وقال: “أخوكي حسام فعلاً عمل محضر سرقة لشتقته من ست شهور.. والمحضر اتسيد ضد مجهول لأن مفيش آثار كسور صريحة على الباب الخارجي، وهو قال في المحضر إن شقته اتسرق منها مشغولات ذهبية ومبلغ مالي.”

بصيتله بذهول: “مفيش آثار كسر؟! يعني هو اللي فتح الشقة ولا إيه؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى