عام

سلفتى حكايات رومانى مكرم 3

حسام وأنا أيدينا كانت على قلوبنا لما عرفنا إن ياسين تطوع بنفسه ليقود الفريق الطبي والتقني المتجه للمنطقة المنكوبة. كنت خائفة عليه من العدوى والظروف الصعبة هناك، بس ياسين مسك إيدي وابتسم بابتسامته الحنونة وقال:

— يا ماما، ربنا شفاني ورجعلي صحتي عشان أكون سبب في إنقاذ غيري. الأطفال دول عايشين نفس الوجع والكسرة اللي أنا عشتها زمان، ومستحيل أقف أتفرج وأنا في إيدي العلاج والتكنولوجيا اللي تقدر تنقذهم.

في مصر، لما الخبر وصل للعمارة، نادية ما بطلتش عياط ودعاء. وقفت في شباكها اللي كانت زمان بتعايرني منه، ورفعت إيديها للسما وبقت تدعي بصوت عالي ودموعها نازلة:

— يارب احميه ورجعه لأمه سالماً غانماً.. يارب زي ما نجدت جوزي على إيده، انجده واحفظه من كل شر واجعله سبب في شفاء الأطفال الغلابة.

سافر ياسين مع الفريق الدولي المجهز بأحدث الأجهزة المحمولة والبرمجيات التي ابتكارها. هناك، كانت الظروف قاسية جداً؛ المعسكرات مكتظة بالأهالي المكسورين، والأطفال ممددون على الأسرة بلا حركة أو صوت، والأمهات يبكين بحرقة تحسس ياسين بأمه في الأيام الأولى من مرضه.

عمل ياسين وفريقه ليل نهار دون نوم. كان ينام ساعتين فقط في اليوم، ويتنقل بين الخيام، يركّب أجهزة المستشعرات العصبية للأطفال، ويعدّل الخوارزميات لتتناسب مع الطفرة الجينية للوباء. في اليوم الخامس، ومع شدة الإجهاد ونقص الإمدادات، تعرض المعسكر لعاصفة استوائية شديدة قطعت أجهزة التبريد والطاقة عن المصل المضاد والتجهيزات الإلكترونية!

كانت الخلية العصبية المبرمجة مهددة بالتلف خلال ساعات، وحياة مئات الأطفال على المحك. في تلك اللحظة الحاسمة، تجلت عبقرية ياسين وثباته. استطاع إعادة برمجة وحدة التغذية البديلة باستخدام الطاقة الشمسية المحلية وتعديل الشفرة التكيفية للمصل في وقت قياسي، لينقذ الشحنة كاملة قبل فوات الأقت!

وفي صباح اليوم التالي، بدأت المعجزة تظهر. أول طفل تلقى العلاج المطور والمستشعرات بدأ يتحرك ويمسك إيد أمه، واستعاد نبرة صوته ونطق أول كلمة!

خلال أسبوعين متواصلين من الملحمة الإنسانية، نجح ياسين وفريقه في السيطرة الكاملة على الوباء، وشُفي مئات الأطفال، وخرجت وسائل الإعلام العالمية تصف ما حدث بالمعجزة الطبية والإنسانية التي قادها الشاب المصري النابغة.

في ألمانيا، كنا نتابع المشاهد في التلفزيون والدموع تصب من أعيننا. رأينا ياسين محمولاً على الأعناق من الأهالي والأطباء وهم يهتفون باسمه. ورأينا رئيس المنظمة الدولية يقلّده وسام الإنسانية الأعلى، ويطلق اسمه على المركز الطبي الجديد لترميم الأعصاب.

رجِع ياسين إلى ألمانيا مرفوع الرأس، يسبقه ثناء العالم ودعوات آلاف الأمهات اللاتي جبر خاطرهن. استقبلناه بالحضن والدموع، وحسام بكي كأنه لم يبكِ من قبل وهو يردد: «الحمد لله الذي أبدلنا بعد الخوف أمناً، وبعد الكسرة عزاً».

لكن الملحمة لم تنتهِ بعد.. فقد تقرر بعد هذا النجاح الأسطوري عودة ياسين النهائية إلى مصر، ليقيم أكبر مشروع طبي مجاني لعلاج الأطفال وتأهيلهم في وطنه، وليقف من جديد أمام العمارة القديمة والشارع الذي شهد بدايته الأولى.. حيث ينتظره المشهد الأخير والمفاجأة الكبرى التي ستغلق كل أبواب الماضي إلى الأبد..

وصلت الطائرة إلى أرض الوطن، لكن المرة دي السفر مكنش مجرد زيارة، المرة دي كانت العودة النهائية لأرض الوطن. ياسين قرر بنَفْس متواضعة وقلب مليان امتنان إنه ينقل مقر أبحاثه الرئيسي ويؤسس أكبر مركز مجاني لتأهيل الأعصاب والتكنولوجيا الحيوية للأطفال في مصر والشرق الأوسط، عشان ما يسبش طفل واحد يدوق المرار اللي ذاقه وهو صغير.

أول ما دسينا أرض الشارع اللي اتربينا فيه، كانت المفاجأة الكبرى بانتظارنا. الشارع كله كان متزين بالزينة والأعلام، واليافطات ماليها الصور والمباركات «مرحباً بعالم مصر وإبنها البار المهندس ياسين حسام». الجيران، الكبار، والصغار، واقفين على الجانبين بالطبل والمزمار البلدي، بيستقبلوا الولد اللي كان زمان حيطته مايلة وكسروا بخاطره.

وفي وسط الزحمة، قدام باب العمارة، كانت نادية وسعيد وبناتهم واقفين. نادية مكنتش قادرة تمسك دموعها؛ قربت من ياسين والدموع نازلة على خدودها، وطلبت من الكل يسكتوا عشان تقول كلمتها قدام الشارع كله.

وقفت نادية بقلب نادم وصوت مرتعش وقالت بصوت عالي وواضح سمع كل الحاضرين:

— يا أهل الشارع.. أنا النهاردة واقفة قدامكم وبشهد ربنا والجميع على غلطتي القديمة. أنا زمان جهلت وقسيت، وعايرت هدى أختي وياسين إبنها، وقلت عليه كلام مسموم وميعجبش ربنا. وربنا وراني قدرته ورحمته.. الولد اللي كنت فاكراه عيب وعالة، بقى هو اللي أنقذ جوزي من الموت، وهو اللي أنقذ بناتي وساعدهم يوقفوا على رجليهم، وهو اللي غمرنا بفضله وأخلاقه العالية. ياسين مش بس عالم رفع راس مصر، ياسين هو تاج راسنا ونور العيلة دي كلها!

ياسين ابتسم بابتسامته الحنونة الصافية، ونزل مسك إيد نادية وباس رأسها قدام الناس كلهم وقال:

— يا طنط نادية، المسامح كريم، وعمر  ما يتصلح  ثانية. اللي فات مات، والنهاردة إحنا عيلة واحدة، والخير اللي ربنا جابه هيدخل بيت كل واحد فينا.

الشارع كله اتملى بالتصفيق والزغاريد، والكل كان بيترحم على الصبر والتربية الصالحة.

مرت الأيام، وافتتح ياسين «مؤسسة ياسين للأمل والتأهيل العصبي»، مركز طبي ضخم على أحدث طراز عالمي، بيقدم العلاج بالمجان لكل أطفال مصر والوطن العربي. وفي يوم الافتتاح الرسمي، حضر كبار أطباء العالم ودكتور هانز مخصوص من ألمانيا، وقص ياسين الشريط وهو ماسك إيدي وإيد أبوه حسام، وبصلي وقال بصوت مليان حب:

— كل خطوة نجاح، وكل طفل بيشفى في المكان ده، حسناته في ميزان صبرك ودعاكي يا ماما.. أنتِ البطلة الحقيقية للقصة دي.

بصيت لياسين وهو واقف ببدلته وشايل طفل صغير على إيده وبيداعبه، وافتكرت اللحظات الصعبة لما كنت ببلع ريقي بحسرة وأضمه لصدري ورا باب الشقة والدموع بتكوي خدي. افتكرت اليوم اللي زُقت فيه نادية الكوباية بقرف، وادعيت ربنا في سري إنه يجبر بخاطري.

رفعنا رأسنا للسما، والدموع المرة دي كانت دموع النصر، والشكر، والجبر الإلهي العظيم. ربنا ما بيسيبش الصابرين، والقلب الأبيَض الصافي دايماً بيكسب في النهاية مهما طال الليل.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى