
وقفت في مكاني وأنا حاسة بركبي بتترعش، والدم انسحب من وشي في ثواني. نبرة صوت الجرسونة كانت جادة ومحملة بتقل غريب خلاني مش قادرة أتنفس. نظراتها ما بين الترابيزة وبين عيني كانت بتقول إن السر اللي حبسته مريم كل السنين دي أخيرًا هيطلع للنور.
الجرسونة قربت مني أكتر، ومسكت دراعي بقوة أكبر وكأنها بتسندني قبل ما أقع، وشاورتلي بعينيها ناحية ممر صغير جنب المطبخ بعيد عن زحمة الصالة وعن أعين الترابيزة اللي قاعد عليها جوزي وآدم ومريم.
-
حكايات امانى السيد 2منذ ساعتين
-
حكايات امانى السيد 1منذ ساعتين
-
حكايات نرمين عادل 2منذ 5 ساعات
-
حكايات زهره الربيع 3منذ 17 ساعة
مشينا خطوات بطيئة، وأنا قلبي كان ببدق في وداني زي الطبول. أفكار مرعبة بدأت تهاجم عقلي في لحظات: هل مريم كانت بتستغل ابني؟ هل كانت بتعامله بقسوة بعيد عن عيني؟ ليه كانت بتخبيني؟ وليه توترها كان هيموتها أول ما آدم طلب ييجي هنا؟
وقفنا في الممر الهادي، الجرسونة أخدت نفس طويل، وربدت على إيدي بحنان أمومي وقالتلي بصوت خافت:
“يا بنتي.. أنا شغال هنا بقالي أكل من 15 سنة، وشوفت ناس أشكال وألوان بتدخل من الباب ده. بس اللي كان بيحصل مع ابنك ومريم من 10 سنين كان حاجة متتوصفش، وكان لازم تعرفيه من زمان.”
بلعت ريقي بصعوبة وقلت لها بنبرة مرعوبة:
“عميدة مريم كانت بتعمل إيه مع آدم؟ أرجوكي قوليلي الحقيقة بسرعة.. هي كانت بتضايقه؟”
الجرسونة هزت رأسها بنفي سريع، وابتسامة حزينة اترسمت على وشها، لكن النظرة اللي في عينيها فضلت غامضة ومحيرة. وقالت:
“لا يا بنتي.. مريم عمرها ما ضايقته، بالعكس. بس الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة خالص. مريم كانت بتجيب آدم هنا كل أسبوع، مش عشان تشتريله بطاطس أو عشان يهدى زي ما بتقولك.. مريم كانت بتجيبه هنا عشان تقابل راجل تاني.”
الكلمة نزلت عليا زي الصدمة.
“راجل تاني؟!” كررتا بعينين متسعتين ومش مصدقة.
كملت الجرسونة:
“أيوة.. كان في شاب بييجي هنا مستنيها في الترابيزة البعيدة دي كل مرة بتيجي فيها. كانوا بيفضلوا قاعدين بالساعات يتكلموا، يضحكوا، ويبصوا لبعض بنفس الطريقة اللي بتدل إن بينهم قصة حب كبيرة وعميقة. وآدم.. آدم كان قاعد معاهم على نفس الترابيزة.”
حسيت بغضب جارف بيسري في عروقي. صاحبتي المقربة، اللي أمنتها على ابني المصاب بالتوحد، اللي ادعت إنها بتاخده عشان تدربه على المهارات الاجتماعية وتديني أنا فرصة يرتاح، كانت بتستغل حالة ابني وعدم قدرته على التعبير ونقل الأحداث عشان تستخدمه كـ “ستار” لمقابلات غرامية خفية!
قلت للجرسونة وصوتي بدأ يترعش من كتر العصبية:
“كانت بتستغل ابني! كانت بتاخده عشان تغطي على نزواتها ومقابلاتها السرية من غير ما حد يشك فيها؟ عشان كدة كانت بتغير الموضوع كل ما آدم يذكر ‘المطعم’؟”
الجرسونة حطت إيدها على بوقي ببطء وهزت رأسها وقالت بجدية:
“استني يا بنتي.. متظلميش مريم بسرعة وتكملي الصورة من خيالك، الحقيقة أعمق وأعقد من كدة بكتير. كملي السمع للآخر.”
نزلت إيدها وواصلت كلامها وهي بتبص ناحية الترابيزة:
“الشاب ده.. كان اسمه ‘شريف’. شريف كان خطيب مريم القديم من سنين طويلة، بس أهل مريم رفضوه تمامًا وقفلوا الباب في وشه عشان ظروفه المادية كانت على قدها وكان شغال مصمم ديكور مبتدئ. مريم اتجوزت بضغط من أهلها الشخص اللي هي معاه دلوقتي، وشريف حياته اتدمرت ووقف كل حاجة. لما مريم عرفت إن آدم عنده توحد، وإنك محتاجة مساعدة، اقترحت عليكِ تاخده عشان تخرج بيه.. بس السبب الحقيقي اللي خلي شريف ومريم يتقابلوا هنا ما كانش مجرد مقابلات عاطفية خفية.. شريف كان مهندس شاطر جدًا في التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وكان حلمه يعمل مركز لتأهيلهم.”
برشت بعيني بذهول، وحسيت إن الصورة بتتغير كليًا قدامي.
الجرسونة كملت بصوت دافئ:
“مريم لما شافت معاناتك مع آدم في أول سنين تشخيصه، وازاي كنتِ منهارة ومش عارفة تتعاملي مع نوبات غضبه، راحت لشريف وطلبت منه يتدخل ويساعد آدم بالمهارات اللي عنده، لأن ظروفكوا المادية وقتها ما كانتش تسمح بمركز خاص غالي. شريف كان بييجي المطعم ده مخصوص، ويقعد مع آدم بالساعات. كان بيمسك إيده، يعلمه ازاى يمسك المعلقة، يعلمه يجمع الأشكال، يقعد يرسم معاه بالساعات طويلة عشان يخليه يفرغ طاقته ويتحكم في توتره. كل المهارات اللي آدم اتعلمها والتحسن اللي شوفتيه عليه على مدار الـ 10 سنين اللي فاتوا.. ما كانش مجرد صدفة أو تدريب من مريم لوحدها.. ده كان مجهود شريف وآدم ومريم مع بعض هنا في المطعم ده.”
وقفت مذهولة. كل نفس، كل حركة، كل كلمة قالها آدم في السنين اللي فاتت بدأت تتجمع في عقلي زي قطع البازل. فتكرت لما آدم بدأ فجأة يمسك القلم ويرسم أشكال هندسية مظبوطة، فتكرت لما نوبات غضبه بدأت تقل تدريجيًا وكان يطلب يرسم عشان يهدى، فتكرت لما مريم كانت بتجيلي وتقولي “آدم اتعلم معلقة الأكل النهاردة في الجنينة!”. اتاري كل ده كان بيحصل هنا.. على ترابيزة مطعم بسيط في أطراف المدينة.
لكن السؤال اللي كان بياكل قلبي فضلت أسأله:
“طب ليه الخفاء؟ ليه مريم تخبي عليا كل ده؟ ليه ما قالتليش إن شريف بيساعده؟ ليه التوتر والخوف ده كله لو كانت نيتها حسنة؟”
الجرسونة تنهدت بأسى وقالت:
“عشان شريف ومريم.. حبهم لبعض ما ماتش يا بنتي. شريف كان بيعمل كل ده عشان مريم، وعشان ابن صاحبتها. بس المشكلة إن جوز مريم راجل شكاك وشديد جدًا، وأهلها لو عرفوا إنه بيقابل شريف حتى لو عشان بيساعد طفل، كانوا هيخربوا بيتها ويحرموها من أولادها. مريم كانت عايشة في رعب حقيقي إن حد يعرف. بس أغرب حاجة حصلت في القصة دي.. مش المساعدات اللي كان شريف بيقدمها لآدم.”
صمتت الجرسونة فجأة، ونظرتها تحولت لشيء مليان غموض ودهشة.
قربت مني أكتر وقالت بصوت واطي جدًا:
“الأغرب بقى.. إن من سنتين فاتوا، شريف اختفى تمامًا. ما بقاش ييجي المطعم. ومريم كانت بتيجي هنا لوحدها مع آدم، تقعد على الترابيزة وتبكي بحرقة وسكون، وآدم هو اللي كان بيمسك إيدها ويهديها بالطريقة اللي شريف علمهاله! لكن من ست شهور.. حصلت حاجة هزت المكان هنا كله.”
قلبي رجع يدق بسرعة رهيبة.
“حصل إيه من ست شهور؟” سألتها وأنا حاسة إن الأسرار مش بتخلص.
الجرسونة بصلتلي بقوة وقالت:
“من ست شهور، مريم جات هنا لوحدها من غير آدم، وكانت بتترعش. قابلت راجل تاني خالص.. راجل شكله غريب، وادته ظرف مقفول تقيل، وأخدت منه ورقة أو خريطة. وأنا بالصدفة ونا بتعدي من جنبهم، سمعتها بتقول للراجل ده بكل رعب: ‘لو جوزي عرف إن شريف سابلي السر ده قبل ما يختفي.. هيقتلني ويقتل آدم’.”
اتسعت عيناي بذهول مطلق. سر؟ شريف ساب سر لمريم؟ وليه آدم مهدد في الموضوع؟
كملت الجرسونة كلامها وهي بتقول:
“واليوم اللي جات فيه مريم هنا لوحدها، كانت مفكرة إن محدش شايفها. بس آدم.. آدم كان بييجي هنا ساعات لوحده أو يسيب البيت ويجيلنا بعد ما كبر شوية! آدم يا هانم حافظ المكان ده شبر شبر. وآدم عارف السر اللي شريف سابه هنا تحت الترابيزة دي من سنتين!”
في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات سريعة جاية ناحية الممر. التفت بسرعة، لقيت مريم واقفة في أول الممر، وشها أصفر زي الليمونة، وعينيها متسعة بفرع وهلع وهي شايفاني واقفة مع الجرسونة وبنتكلم بوشوشة.
مريم جرت ناحيتنا وصوتها بيلعثم:
“أمل! إنتِ بتتأخري ليه؟.. إحنا.. إحنا يلا عشان نمشي، جوزك وآدم مستنيين في العربية!”
بصيت لمريم بنظرة أول مرة تشوفها مني.. نظرة مليانة أسئلة، وشك، وصدمة. مريم لمحت النظرة دي في عيني، وفهمت فورًا إن الجرسونة حكتلي حاجة. أيديها بدأت تترعش أكتر، وخطت خطوة لورا وهي بتقول بصوت مبشوح:
“أمل.. أرجوكي.. متصدقيش أي حاجة تتقال هنا.. المكان ده مش زي ما إنتِ فاكرة.. وأنا عملت كل ده عشان أحمي ابنك!”
وقبل ما أرد عليها أو أسألها عن شريف والظرف والسر اللي سايبه تحت الترابيزة، جيه صوت آدم من وراها.
آدم كان واقف في الصالة، ماسك في إيده علبة خشبية صغيرة قديمة جدًا ومتربة، كان مطلعها من مكان مخفي تحت الترابيزة اللي كانوا بيقعدوا عليها طول السنين اللي فاتت.
آدم بصلي بعينين صافية تمامًا، وبص لمريم، وقال بصوت واضح ومستقر لأول مرة في حياته:
“ماما.. الأستاذ شريف قاللي أديكي العلبة دي لما أكمل 18 سنة.. عشان مريم خايفة، وبابا مش لازم يعرف اللي جوة.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”





