عام

حكايات نور محمد

قعدت في سريري وأنا مستنية لحظة الصبح عشان الدكتور يشيل الغيارات من على عيني. كانت ليلة هادية جداً، مفيش فيها تليفونات مستفزة من كريم، مفيش كدب، مفيش استغلال.

جه الصبح، ورحنا العيادة. الدكتور قعدني على الكرسي وبدأ يشيل الشاش واللزق بالراحة من على عيني. فتحت عيني تدريجياً.. الضوء كان ساطع في الأول، وبعدين كل حاجة حوليا بقت واضحة، حادة، ونقية جداً!

شفت وش بابا وماما واضحين لأول مرة من غير نضارة وبكل تفاصيلهم. الدكتور ابتسم وقالي: “حمد الله على السلامة يا ندى، كأنك خدتي عين جديدة.”

ابتسمت من قلبي وقولتله: “أنا فعلاً بقيت بشوف كل حاجة على حقيقتها.”

خرجنا من العيادة وأنا ماشية وسط الشارع باصة للسما وللناس وراضية تماماً. الفلوس تعبت فيها ورجعتلي، وعيني رجعت تشوف، والأهم إن ربنا نجاني من فخ كان هيضيع عمري كله.

مرت ثلاث سنوات على اليوم الذي شلت فيه الغيارات عن عيني، ورأيت فيه الحياة بحقيقتها ودون رتوش.

في البداية، لم تكن الأيام سهلة؛ محاولات عمتي للشوشرة في العيلة والادعاء بأنني “مفترية” لم تتوقف لشهور، لكن بابا وقف كالحائط المنيع أمام كل كلمة قيلت في حقي. ومع الوقت، بدأت الأقنعة تسقط تماماً؛ كريم لم يتغير، وبدلاً من أن يتعلم الدرس، تورط في ديون جديدة بسبب طمعه، واضطرت عائلته لبيع أرض يملكونها لسداد نزواته، وحينها فقط فهمت أمي وأدرك الجميع أن ما حدث يوم البنك لم يكن مجرد استرداد لـ 25 ألف جنيه، بل كان طوق نجاة من مستنقع لا قاع له.

على الصعيد المهني، صببت كل  وطاقتي في شغلي. بعد العملية، أصبحت أعمل بتركيز أضعاف ما كنت عليه. رُقيت إلى منصب رئيسة قسم المحاسبة في الشركة، وأصبح لي اسمي ومكانتي التي بنيتها بعرقي، ودون أن أنتظر من أحد أن “يسندني” أو يمن عليّ بحماية زائفة.

وفي يوم عمل عادي، كنت أراجع ميزانية إحدى الشركات الشريكة لنا، والتقيت بـ “طرق”، المحاسب القانوني المسؤول عن التدقيق. كان شخصاً هادئاً، عملياً، ولا يعرف اللف والدوران. لم يقدّم لي نفسه بكلمات معسولة ولا بوعود براقة، بل بمواقف صغيرة أثبتت لي أن الأمانة ليست شعاراً يرفع، بل هي طبع يسري في .

عندما تقدم لخطبتي، اشترطت عليه الوضوح التام، وحكيت له قصتي السابقة بكل تفاصيلها دون خوف أو خجل. استمع إليّ باهتمام، ثم قال جملة أزاحت آخر ذرة خوف من قلبي: “الذي يستغل أمانتكِ ليس رجلاً، والذي يحسب القرش مع أهل بيته لا يؤتمن على بيت.. أنتم بنيتم حياتكم بالتعب، وأنا جئت لأشارككِ الشقاء والنجاح بالسوية.”

تزوجنا في حفل بسيط اقتصر على من يحبوننا بصدق. اليوم، وأنا أقف في صالة بيتي الجديد، أنظر إلى صور زفافنا وإلى عينيّ اللتين أصبحت أرى بهما العالم بنقاء تام.

أدركت حينها أن أقصى درجات الشجاعة ليست في التغاضي عن الإساءة باسم القربى أو “كلام الناس”، بل في اتخاذ موقف شجاع لحماية ذاتك وكرامتك. الفلوس التي تعبتِ فيها قد تعود، لكن العمر والكرامة إذا ضاعا لا يعوضهما شيء. والحمد لله الذي أعمى بصري لبرهة، ليفتح بصيرتي للأبد.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى