عام

حكايات نور محمد

بابا بص له بصه كفيلة تطير النوم من عينه وما ردش، بس اكتفى بكلمة: “يلا بينا على البنك.”

ركبنا العربية، وطول الطريق كريم كان بيتكلم عن الأسعار والديكورات اللي هيعملها بالـ 150 ألف جنيه، وأنا قاعدة في الكنبة الوراانية ساكتة تماماً وبصالي في القزاز.

وصلنا الفرع اللي فيه حسابي، ودخلنا خدمة العملاء. المحامي زميلي كان مستنينا هناك بالاتفاق. كريم أول ما شاف شخص غريب قاعد معانا بدأ يقلق، بصلي وقال بصوت واطي: “ندى، مين الأستاذ؟ مش قولتلي هننسحب الفلوس سوا وخلاص؟”

رد المحامي بكل هدوء وهو بيبتسم ابتسامة ثلجية: “أهلاً يا أستاذ كريم. أنا الأستاذ أحمد، المستشار القانوني للآنسة ندى. إحنا مش جايين نسحب وديعة ولا حاجة.. الوديعة دي كانت مجرد فخ عشان نتقابل هنا.”

كريم وشه اتخطف وألوانه اتغيرت، وبصلي بذهول وتهتة: “؟ فخ إيه؟ أنتِ بتستعبطي يا ندى؟”

وقفت وطلعت التليفون، وفتحت الإيميل ورسالة التحويل قدام وشه، وقولتله بصوت حاد ومسموع في الفرع كله: “فخ عشان أعرفك إنك حرامي ونذل! التحويل ده بـ 25 ألف جنيه اتعمل يوم الجمعة الساعة 5 وتلت، وأنا بعمل المطبخ القهوة! الفلوس راحت لرقم حسابك أنت عن طريق إنستاباي من تليفوني، ومسحت الرسالة بس نسيت إن الإيميل بيبعت إشعار!”

كريم اتوتر وبدأ يعلي صوته محاولاً يقلب الماويل: “أنتِ اتجننتي؟ أنتِ ببتهميني بالسرقة؟ ده حسابي أنا، وأنا معرفش حاجة عن التحويل ده، يمكن الأبلكيشن بيهنج ولا حد هكر تليفونك!”

هنا اتدخل موظف البنك والمحامي، والمحامي طلع ورقة وقال بصوت واثق: “التحويل خرج من الـ IP الخاص بتليفونها، وفي نفس النطاق الجغرافي لبيتها، والفلوس سمّعت في حسابك فوراً. لو ماردتش الـ 25 ألف جنيه حالاً وحررت إقرار بدفعهم، إحنا محضرين بلاغ لمباحث الإنترنت والتلبس بالسرقة الإلكترونية جاهز للتقديم خلال عشر دقائق، وغالباً مستقبلك المهني والوظيفي هينتهي النهاردة.”

كريم قعد يلتفت حواليه، بص لبابا وقال بنبرة ترجي مفاجأة: “يا عمي.. أنت ساكت ليه؟ أنت ترضى ابن اختك يتقال عليه حرامي قدام الأغراب؟ الفلوس كانت مزنوقة معايا والله وكان قصدي أرجعها أول ما الجمعية تقبض!”

بابا وقف وقال بصوت جاف هز الأركان: “اللي يسرق بنت خاله وهي بتعمله واجب الضيافة ميبقاش ابن اختي، ده يبقى قطع صلة رحم. الفلوس ترجع في حسابها حتاً ونقاطاً النهاردة قبل ما نخرج من البنك، والدبلة ترجعلي فوراً، وجوازتك من بنتي اتلغت ليوم الدين!”

كريم لما حس إن الكرت اترمي  جدي، إيده كانت بتترعش وهو بيطلع تليفونه تحت عيون المحامي وبابا وموظف البنك. فتح الأبلكيشن، وبكل خزي وهوان، حول الـ 25 ألف جنيه تاني لحسابي، ورجعتلي رسالة التأكيد في نفس اللحظة.

أول ما الفلوس دخلت الحساب، قلعت الدبلة من إيدي، ورميتها قدامه على الترابيزة وقولتله بصلابة عمري ما حسيتها قبل كده: “الفلوس دي كنت شايلها عشان أعمل بيها عملية في عيني عشان أقدر أشوف بيها كويس.. بس الحمد لله إن ربنا كشفك لي قبل ما أعمل العملية، وعصمتني منك ومن قرفك.”

سابنا وخرج من البنك وهو بيوطي راسه وشكله مكسور، بس الكسرة دي ماكانتش ندم، كانت خسارة للبضاعة الرخيصة اللي كان فاكر إنه هيعلم عليها.

رجعت البيت، أمي كانت قاعدة مستنيرة في صالة البيت وعلى وشها الفزع. أول ما شافتنا داخلين ومعانا الفلوس في الحساب، وبابا شايل الدبلة في إيده، فهمت إن الموضوع انتهى. بدأت تبكي وتقول: “كده يا ندى؟ فضحتينًا قدام عمتك؟ تلاقيه اتصل بيها زمانه حكالها!”

رديت عليها وأنا داخلة أوضتي بكل هدوء وراحة بال لأول مرة من شهور: “عمتي لو عندها أصل تزعل من ابنها الحرامي مش من البنت اللي دافعت عن حقها.. الفلوس رجعت يا ماما، وبكرة حجز عمليتي، والحمد لله إن عيني اتفتحت على الحقيقة قبل ما تتفتح على الجوازة دي!”

تاني يوم الصبح، كانت الشمس طالعة صافية وباردة. صحيت من النوم وأنا حاسة إن جبل ثقيل انزاح من على صدري. لأول مرة من 8 شهور، حاسة إن نفسي خفيف، ومفيش قلق ولا شك بيطاردني.

نزلنا أنا وبابا بدري على مستشفى العيون اللي كنت مأجلة فيها الكشف والعملية بقالي سنين. قعدت في الاستراحة مستنية دوري، وبابا كان قاعد جنبي ماسك إيدي بكل حنية، يبصلي ويقولي: “فخور بيكي يا ندى.. البنت اللي تعرف تجيب حقها بذكائها وعقلها هي اللي تقدر تشيل بيت وتتحمل مسئولية. الفلوس بتروح وتيجي، بس الكرامة لو راحت مابترجعش.”

دخلت للدكتور، وبعد الفحوصات والقياسات الأخيرة، بصلي وابتسم وقال: “الفحوصات ممتازة يا ندى، العملية بسيطة جداً ومش هتاخد أكتر من ربع ساعة، وبكرة الصبح هتشوفي الدنيا بنقاء كأنك لسه مولودة.”

في نفس اللحظة اللي كنت بجهز فيها لدخول غرفة العمليات، تليفون بابا رن. كانت عمتي!

بابا فتح السبيكر وهو حاطط التليفون في جيبه. كان صوتها العالي طالع من السماعة مليان غل وهجوم: “بقى كده يا حاج؟ بنتك تتبلى على ابني المهندس وتعمله فخ في البنك وتهدده بالمحامي عشان كم ألف جنيه؟ ده بدل ما تستتروا عليه وتعتبروها سلف بين العيلة؟ كريم جاني منهار ومصدوم من الحركة الرخيصة اللي عملتوها فيه!”

بابا رد بكل هدوء وثبات، وصوته كان أتقل من الجبال: “اللي ياخد فلوس بنت خاله من ورا ضهرها ويمسح الإشعارات ويستغفلها وهي بتعمله واجب الضيافة في بيتها، ميبقاش اسمه استلف.. اسمه سرق. وابنك لو كان مهندس في عين الناس، فهو سقط في اختبار الرجولة والأمانة. الفلوس رجعت لأصحابها، والدبلة عندك، ويا ريت مسمعش صوتك تاني في بيتي يا أم كريم!”

بابا قفل السكة في وشها قبل ما تنطق بكلمة ثانية، وبصلي وابتسم ابتسامة واثقة وقالي: “ادخلي يا ندى اعملي عمليتك وأنتِ مرفوعة الراس.”

دخلت غرفة العمليات، وبدأت الإجراءات. مع كل لحظة كانت الإضاءة بتتسلط فيها على عيني، كنت بحس إن العتمة اللي كانت مخيمة على حياتي بتتبدد. مش بس عتمة النظر الضعيف، لكن عتمة الخداع والخوف من كلام الناس والتضحية على حساب نفسي.

طلعت من العملية بعد نص ساعة وعيني متغطية. ورجعنا البيت. أمي، رغم إنها كانت زعلانة من قطع الرحم وكلام العيلة، أول ما شافتني داخلة والتعب باين عليا، حنيتها غلبتها. جرت عليا وحضنتني وقالتلي وهي بتبكي: “حمد الله على سلامتك يا ندى.. سامحيني يا بنتي، أنا كنت خايفة عليكي من كلام الناس ونظراتهم، بس اكتشفت إن الناس مش هينفعوكي لو كنتِ اتجوزتي واحد مابيعرفش ربنا.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى