
دخلت القاعة وأنا رافعة راسي، لابسة بدلة أنيقة وهادية، وماشية جنب المحامي بتاعي بكل ثقة. أول ما دخلت، لمحتهم قاعدين في ركن.. هو، ومامته، وخالته، وبنت خالته اللي كانت لابسة نضارة شمس ووشها باهت وكأنها مستخبية من العيون.
حماتي أول ما شافتني، بصتلي بشرار وكانت قايمة تهجم بالكلام، بس جوزي شد دراعها وقعدها وهو وشه ميتفسرش، عيونه كانت متعلقة بيا بذهول.. مش مصدق إن الست اللي واقفة قدامه دي هي نفسها اللي كانت بتبكي بالدموع في الشاليه، هي نفسها اللي كانت بتتحايل عليه زمان عشان يبتسم لولاده.
القاضي نادى على الق\ضية، ووقف المحامي بتاعي يعرض كل التفاصيل: شهادات حساباته البنكية، أصول ممتلكاته، وتحريات الدخل اللي كشفت أرقام هو كان بيحلفلي إنه ميمتلكش ربعها، وفوق ده كله شهادة كل اللي شافوا الإهانة والضرر في الواقعة الأخيرة.
محاميه حاول يماطل، ويقول “دي خلافات زوجية بسيطة وسوء تفاهم في رحلة عائلية”، بس محاميّ رد بحزم وقدم كشف المصاريف، وطلب إلزامه بنفقة تليق بدخله الضخم، وتمكين من الزوجية وأجر حضانة وتعليم للولاد.
القاضي بص في الأوراق، وبعد المداولة نطق بالحكم: تطليق للضرر، وإلزامه بنفقة شهرية للولاد بمبلغ مكانش يحلم يدفعه، وإلزامه بدفع كامل مصاريف مدارسهم الخاصة وأجر المسكن.
-
حماتي كانت بتعمل حركة غريبة 1منذ 14 دقيقة
-
حكايات ليلى2منذ ساعتين
-
حكايات ليلى1منذ ساعتين
-
حكايات اسما السيد 2منذ 4 ساعات
نزلت عليهم زي الصاعقة.. حماتي لطمت على خدها في الممر، وخالته وقفت تفرك إيديها بتوتر، وبنت خالته انسحبت من غير ولا كلمة كأنها فص ملح وداب أول ما حست إن الفلوس والمظاهر اللي كانت بتجري وراها بتطير من إيده لحق ولاده.
هو فضل واقف في نص الطرقة متبهدل، عينه مكسورة تماماً، قرب مني خطوتين وصوته كان واطي ومبحوح لأول مرة في حياته: “انتي عملتي كل ده عشان رحلة؟ انتي دمرتي بيتنا عشان خاطر هزار؟”
وقفت قصاده، بصيت في عينيه بابتسامة نصر وراحة عمري ما حسيت بيها: “الرحلة كانت مجرد القشة اللي كشفت إنك عمرك ما كنت راجل يحافظ على بيته.. البيت انت اللي هديته ببخلك وقسوتك من سنين، وأنا بس نضفت حياتي وحياة ولادي من ركام ”
سبته واقف مكانه ولفيت ضهري، مشيت بخطوات واثقة وسريعة لباب المحكمة، وأول ما طلعت في الهوا والشمس، طلعت تليفوني واتصلت بمامتي: “جهزي الولاد يا ماما.. إحنا مسافرين كلنا بكرة رحلة مفيهاش نكد ولا دموع.”
وبعد أسبوع بالظبط، كنا قاعدين كلنا على نفس الشط في مصيف تاني هادي وجميل، بس المرة دي كل حاجة كانت مختلفة تماماً.
صوت ضحك الولاد كان واصل لآخر الدنيا، بيجروا ويلعبوا في المية براحتهم، يملوا جراكن الرملة، ويبنوا بيوت وقصور، ومفيش حد بيزعق فيهم ولا بيبصلهم بقرف لو رشوا مية بالغلط. مامتي كانت قاعدة تحت الشمسية بتشرب الشاي وبتدعيلي براحة البال والستر، وأنا قاعدة جنبها، باصة للبحر وسارحة في النعمة اللي ربنا كتبهالي.
ابني طلع من المية وشه منور والشمس عاكسة على شعره المبلول، وجري اترمى في حضني وهو ماسك صدفة ملونة في إيده: “ماما.. شوفتي الصدفة دي؟ دي ليكي عشان انتي أحسن ماما في الدنيا وخليتينا نيجي البحر الجميل ده!”
بنتي كمان جت قعدت جنبي، حطت راسها على رجلي وبصتلي بعيون مليانة أمان حقيقي: “عارفة يا ماما.. أنا كنت فاكرة إن البحر ده مكان بيخوف وفيه زعيق، بس دلوقتي فهمت إن العيب مكانش في البحر.. العيب كان في اللي جاي معانا.”
كلامهم كان البلسم اللي داوى كل الجروح القديمة، حسيت إن روحي رجعتلي بجد، وإن السنين اللي ضاعت تحت الظلم كان لازم تنتهي عشان اللحظة دي تتولد.
في نفس التوقيت، فتحت تليفوني ولمحت رسالة باعتها هو من رقم غريب بعد ما عملتله بلوك في كل حتة، كانت الرسالة مليانة عتاب وندم: “البيت فاضي عليا.. وحشني صوت العيال وحياتي باظت، بنت خالتي وأهلها بعدوا عني لما عرفوا النفقات اللي عليا، ومحدش واقف جنبي.. أنا غلطت ومستعد أعمل أي حاجة بس ترجعيلي ونبدأ صفحة جديدة.”
مسحت الرسالة في نفس الثانية، ومردتش ولا حتى بحرف.. اللي باع فرحة عياله واسترخص كرامة شريكته في يوم، ملوش تمن ولا رجوع.
قفلت التليفون ورميته في الشنطة، قمت وقفت، ونزلت المية أجري ورا ولادي وألعب معاهم وسط الموج والضحك اللي ملا قلوبنا أمان وراحة، وأنا عارفة من كل قلبي إن دي مش نهاية حكاية.. دي بداية حياة جديدة، حرة، ومليانة كرامة.



