روايات وقصص

حكايات زهره الربيع 1

شلت الفلوس والدهب في الحفظ والصون جوة درج سريري المقفول بالمفتاح. لكن اللي ما كنتش أعرفه، إن عصام كان عينه على الراجل وهو داخل بالشنط، وكان فاهم إن الشنطة الكبيرة دي فيها حاجات أثقل من مجرد هدوم وبرفانات.

بعدها بيومين، خرجت أنا وحماتي ونزلنا نشتري طلبات للبيت ولابني منير، وسيبنا الشقة فاضية مفيهاش غير منى وطفلتها، وعصام اللي كان مجاز من شغاله. ورجعت بعد ساعتين، دخلت أوضتي عشان أغير هدومي، وفتحت الدرج عشان أطمن على الحاجة.. وكانت الصدمة اللي هدت حيلي!

الدرج كان مكسور طففيفاً من الجنب، وكيس القطيفة بالفلوس والدهب ملوش أي أثر!

وقف الدم في عروقي، ورجلي ما بقتش شيلاني. الذهب والفلوس اللي جوزي شقي فيهم سنة كاملة في الغربة اختفوا! قعدت على الأرض وأنا بصرخ ومنهارة بالدموع. على صوت صراخي، دخلت حماتي وحمايا يجرو، ومنى وراهم.

حمايا اتخض وقال: “فيه إيه يا بنتي؟ مالك يا سميرة؟”.

قلت وأنا بشاور على الدرج المكسور وببكي بحرقة: “حق جوزي راح يا عمي! كان فيه دهب وفلوس أحمد باعتهم لي أشيلهم هنا، الدرج مكسور والحاجة اتسرقت!”.

الصمت نزل على الأوضة، وحمايا وشه اتغير. بص لمنى وقالها بصوت يزلزل المكان: “مين دخل الشقة دي وأحنا برة؟ مين كان في البيت؟”.

منى اترعشت وقالت بصوت متلعثم: “والله يا عمي ما حد دخل من برة! الباب كان مقفول بالترباس.. عصام بس اللي كان داخل طالع من أوضته يدور على سلك الشاحن!”.

في اللحظة دي، عصام دخل الأوضة وعامل نفسه متفاجئ، وقال ببرود: “فيه إيه؟ صوتكم طالع ليه؟ جرى إيه يا سميرة، بتعيطي ليه؟”.

حمايا قرب منه ووشه أحمر من الغضب، وقاله: “سميرة اتسرقت يا عصام! اتسرقت في بيتي وفي وسط أهلها! مين اللي كسر درجها وأخد حاجتها؟”.

عصام اتوتر، بس حاول يمثل القوة ويزعق: “أنت بتبص لي كده ليه يا أبا؟ أنت بتتهمني أنا؟ أنا أمد إيدي على بيت أخويا؟ هي يمكن نسيت حطتهم فين، ولا يمكن هي اللي أخدتهم وعايزة تعمل مشكلة عشان تغطي على حاجة!”.

النطق بالكلمة دي كان خطأ عمره. حمايا ما استحملش التلميح القذر ده، ولأول مرة في حياته يرفع إيده ويضرب عصام بالقلم على وشه قدامنا كلنا!

حمايا قال له وهو بيتنفّس بصعوبة: “انت تتخرس خالص! الأصول اللي أبوها علمهالك بالقفل والمراية مظبطتكش! أنت فاكرني مش فاهم غلك وحقدك على أخوك وعلى مراته من يوم ما أبوها كسرك؟”.

حمايا مسكه من هدمه وسحبه على أوضة عصام، ودخلنا كلنا وراهم. حمايا بدأ يقلب الأوضة حتة حتة، وعصام واقف يتفض من الخوف ويقول: “حرَام عليك يا أبا بتفتشني؟”.

وحمايا مكمل ولا كأنه بيسمعه، لحد ما وصل عند دولاب عصام، ورفع البطاطين المتطبقة فوق.. وطاح الكيس القطيفة الأحمر منه على الأرض!

الكيس وقع، والدهب والفلوس اترموا في نص الأوضة قدام العيلة كلها!

المنظر كان أبشع من أي كلام. منى مراته حطت إيدها على بؤها وقعدت تعيط من الفضيحة والعار، وحماتي قعدت على السرير وهي بتتحسر على ابنها الكبيرة اللي ضيع أصوله وربايته، أما حمايا فبص له بنظرة كره وخذلان هدت عصام مكان ما هو واقف.

حمايا جمع الفلوس والدهب وإيده بتترعش، وحطهم في إيدي وقال لي بصوت مكسور: “حقك عليّ يا بنتي.. حقك وحق جوزك على راسي من فوق. البيت ده ما بقاش يسعنا إحنا الاثنين”.

حمايا التفت لعصام وقال له بقرار حاسم مفيش فيه رجعة: “تاخد مراتك وبنتك، وتطلع من البيت ده فوراً! ميعادك معايا مش هنا.. ميعادك معايا لما أخوك ينزل من السفر وتقف قدامه وترد له حق طمعه وغدرك بيه، ومن النهاردة لا أنت ابني ولا أعرفك لحد ما تتعلم يعني إيه حرمة بيت أخوك!”.

عصام حاول يتكلم، حاول يبكي ويترجى أبوه وأمه، بس محدش رد عليه. خرج من البيت يجر أذيال الخيبة والكسوف، ولأول مرة تحس الشقة إنها نظفت من الغل والفضول اللي كان خنقها أربع سنين.

قعدت في أوضتي وأنا ماسكة الكيس القطيفة، بكي بس المرة دي كانت دموع راحة.. وحسيت إن حق كرامتي وستر بيتي رجع لي كاملاً، وبفضل أبويا اللي علم الكل الأصول من أول موقف، وبفضل حمايا الراجل الطيب اللي ما قبلش الظلم في بيته حتى لو كان من ابنه الكبير.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى