
كنت فاكرة إن كده الموضوع خلص وإن عصام هيحترم كلام أخوه.. بس للأسف، طبعاً لا! أول ما جات الشنطة اللي بعدها، عمل نفس الحركة، ولما فكرته بكلام جوزي، رد عليّ بضحكة رخمة وقليلة الذوق وقال قدام الكل: “أحمد قالك كده؟ لا يا حبيبتي، أنا لازم أفتحها! أفرض الواد أخويا ده باعتلك تعبان ولا عقرب وسط الهدوم وعايز يخلص منك؟ أنا لازم أطمن عليكي الأول! أنتي أختي وأنا خايف عليك!”. ويرجع يمارس نفس حركاته اللي تكسف وتخنق في نفس الوقت، ويتفرج ويقلب ويحرجني أكتر من الأول!
لحد ما في يوم ، كانت الشنطة واصلة من السعودية، وعصام كالعادة جاب الشنطة في نص الصالة، وفتح السوستة وقعد يقلب فيها. المرة دي بقى أحمد كان باعتلي مجموعة حاجات خاصة جداً، وقمصان نوم وهدوم في قمة الخصوصية. وعصام، بكل وقاحة وقلة ذوق، مسك الحاجات دي وفضل يتفرج عليها قطعة قطعة، ويرفعها في الهواء ويصفّر بصوت عالي وبوقاحة مستفزة وهو بيضحك وبيقول كلام يكسف الحجر!
-
سلفتى حكايات رومانى مكرم 3منذ 45 دقيقة
-
سلفتى حكايات رومانى مكرم 2منذ 50 دقيقة
-
سلفتى حكايات رومانى مكرم 1منذ 52 دقيقة
-
حكايات نور محمدمنذ ساعة واحدة
أنا كنت واقفة في زاويتي المعتادة، ميتة من الكسوف، ومش عارفة أعمل إيه ولا أستخبى فين. وفي اللحظة اللي كان عصام بيمارس فيها وقاحته وبيصفر بكل قلة أدب.. يدخل بابا!
كان جاي يزورني بالصدفة ومن غير ميعاد، ودخل من باب الشقة مع ابني اللي فتحله. أول ما بابا دخل وشاف المنظر ده.. الصمت نزل على الصالة زي الصاعقة!
عصام اتخض خضة عمره! أول ما شاف أبويا واقف عند الباب وشايفه بيمسك الحاجات دي وبيصفر، وش عصام جاب ألوان، وبسرعة قفل سوستة الشنطة وهو بيبتسم ابتسامة صفراء ومرتبكة جداً. لمح أبويا الشنطة، ولما قرب خطوتين، شاف اسمي المكتوب بخط واضح عليها.
أبويا بصل لـ عصام بصه حادة جداً كله ، وسأل بضيق واقتضاب واضح: “ما شاء الله.. هو أحمد باعتلكم هدايا ولا إيه؟”.
أنا من كسوفي، جريت بسرعة على الأرض ألم الهدوم اللي عصام كان رميها على الكنبة والأرض، وإيدي بتترعش، وقلت بصوت واطي ومخنوق: “أيوه يا بابا.. دي شنطتي أحمد باعتها”.
هنا بقى، أبويا بصل لـ عصام من فوق لتحت وقال من غير ما يرفع صوته، بس نبرته كانت ترعب: “وفاتحين الشنطة هنا ليه في نص الصالة؟ دخلي شنطتك أوضتك واتفرجي على حاجتك في أوضتك يا بنتي.. المكان ده مش بتاع الكلام ده!”.
عصام في اللحظة دي وشّه بقى أصفر زي الليمونة، وما قدرش ينطق بكلمة واحدة! ولا عرف يقول “أنا زي أخوها”، ولا عرف يقول “أنا بهزر”. لسانه اتعقد تماماً!
أنا شلت الشنطة بسرعة البرق، وجريت بيها على أوضتي وققلت الباب، وأنا ببتنفس بصعوبة. بره في الصالة، الجو بقى متوتر جداً، حمايا وحماتي كانوا مكسوفين جداً من أبويا ومش عارفين يودوا وشهم فين من نظراته. بابا قعد خمس دقائق بالظبط، سلم على حمايا بأدب شديد، واستأذن ومشي على طول من غير ما يشرب حتى كباية الشاي.
تاني يوم الصبح.. الباب خبط.
كان فيه مندوب شحن واقف عند الباب، ومعاه علبة هدية متغلفة بأشيك طريقة، ومكتوب عليها كارت متأنق جداً وصريح باسم: “الأستاذ عصام”.
عصام أول ما استلم الهدية وقرأ اسمه عليها، استغرب جداً وفتحه قدام العيلة كلها وهما الفضول بياكلهم.. بس أول ما فتح الهدية وشاف اللي جواها وقرأ الكارت الصغير المكتوب بجنبها.. اتصدم صدمة عمره! وشه اتخطف، والدم هرب من عروقه، وجري على أوضته وقفل على نفسه من غير ما ينطق حرف واحد!
ومن اليوم ده.. حرم عصام يقرب من أي شنطة يبعتها جوزي، ولا حتى يفكر يبص عليها من بعيد! ؟؟؟
خرج عصام يجري على أوضته وقفل الباب وراه بالضبة والمفتاح، وساب العيلة كلها واقفة في نص الصالة عيونهم متعلّقة ببعض من الذهول. حمايا وطى على علبة الهدية اللي عصام سابها مرمية على التربيزة من كثر الصدمة، وقرأ الكارت بصوت حزين ومكسور. كان كارت مكتوب فيه بخط بابا الواضح الصريح: “الأخ الكبير هو السند والستر لبيته ولأخوه في غيابه، واللي بيفتح ستر غيره، ربنا بيكشف ستره قدام الناس.. الهدية دي عشان تفتكر بيها دايماً إن فيه حاجات تتشاف بس في الأوضة المقفولة، وإن الأصول مبنتجزأش.”
أما جوة العلبة، فكان بابا باعتله قفل كبير من الصلب ومفتاحه، ومعاه مرآة صغيرة! كانت الرسالة واضحة وجريئة وبتهز أي راجل عنده نكتة نخوة: “شوف نفسك في المنظرة الأول، واقفل على نفسك بقفل الأصول قبل ما تفتش في ستر غيرك”.
من اليوم ده، البيت تحول لساحة صمت عجيبة. عصام بقى يدخل من باب الشقة يوطي رأسه في الأرض، ميبصش في عين حد، ولو لمحني واقفة في الصالة أو المطبخ، يلف ويرجع يدخل أوضته فوراً. مراته منى، اللي كانت بتفرح بالهدايا اللي بياخدها مني ويحدفهالها، بقت حاسة بالكسوف من نفسها، ولأول مرة أشوفها بتتجنب تبص لي أو تتكلم معايا في أي موضوع.
لكن هل الموضوع انتهى عند كده؟ للأسف، النفس لما بتتكسر ويتمسك عليها غلط صريح، أوقات بتتحول لغل مكتوم وتدور على أي فرصة للانتقام عشان ترجع كرامتها المجروحة.
مرت كم شهر، والهدوء كان هدوء حذر، لحد ما قرب موسم جديد وجاء موعد شنطة الهدايا التالية من أحمد جوزي. أحمد كلمني وقال لي إن الهدية المرة دي كبيرة ومختلفة، ومبعوثة مع صاحب عمره “أبو فهد” اللي نازل مصر نهائي وهيسلم الحاجة بنفسه لحد باب البيت.
في اليوم الموعود، وصل الراجل ورحب بيه حمايا وأخوه عصام، وسلّم الشنط. المرة دي عصام مسك الشنطة اللي باسمي، وحطها على حرف الكنبة بلمسة سريعة وكأنه ماسك جمرة نار، وقال بنبرة مكسورة ومستفزة في نفس الوقت: “اتفضلي شنطتك يا سميرة.. عشان محدش يقول إني حطيت إيدي على حاجة مش بتاعتي”.
أخدت الشنطة ودخلت أوضتي، وفتحتها وأنا قلبي مطمئن لأول مرة من أربع سنين. بس المفاجأة كانت جوة الشنطة؛ أحمد كان باعت لي مع الهدوم والبرفانات، كيس صغير من القماش القطيفة، جواه طقم دهب شيك جداً، ومعاه مبلغ مالي كبير بالريال السعودي، كاتب لي عليه ورقة: “يا سميرة ده جزء من جمعية عملتها، خليهم معاكي شيلي الفلوس والدهب عندك في الدولاب لظروف الزمن، محدش يعرف عنهم حاجة حتى أهلي، عشان لو احتجنا نجيب شقة خاصة بينا”.








