روايات وقصص

حكايات امانى السيد

وصلنا القسم، ريحة المكان كانت تخنق ، ريحة خوف على ريحة قهوة على ريحة تحقيق. دخلنا، وأول ما عيني وقعت عليها، قلبي وقع في رجلي. كانت قاعدة على كرسي خشبي، ملامحها هادية بشكل يرعب، كانت بتكلم المحامي بتاعها بهدوء، ولا كأنها الست اللي كانت من ساعتين بتصرخ ومقطعة هدومها في الصالة عندي.

أول ما شافتني، بصتلي نظرة.. نظرة تخليك تتمنى الأرض تنشق وتبلعك. مافيش دموع، مافيش استنجاد، كانت نظرة “نهاية”. أمي حاولت تفتح بوقها وتزعق، بس الظابط قطعها بصوت جهوري: “اسكتوا خالص، هنا قانون مش خناقة حواري”.

مقالات ذات صلة

قعدنا قدام الظابط، وبدأ التحقيق. كل سؤال كان بيتسأل كان بيحطنا في زاوية أضيق من اللي قبلها. التقرير الطبي كان واضح ومفصل، وصف كل كدمة وكل أثر سيبه إيد أمي وأختي، واتفاجئت إن امى كسرت الطبق على دماغها وخدت ١٠ غرز فى راسها

أمي وأختي بدأوا يتناقضوا في كلامهم، وأنا.. أنا كنت قاعد مذهول من حالنا. كنا داخلين القسم كأننا “أصحاب حق” وداخلين نربيها، وخرجنا.. أو بالاخرى ، بقينا في وضع “المتهمين” اللي حياتهم بتتحطم قدام عيونهم.

أنا قاعد باصص للأرض، سامع أمي وهي بتبكي وبتقول للظابط “دي مرات ابني”، وسامع مراتي وهي بترد بصوت ثابت زي الحديد: “، ومعايا تقرير يثبت إنهم حاولوا يموتونى ، ومراد.. مراد كان واقف بيتفرج”.

في اللحظة دي، عرفت إن اللي اتكسر مش بس كرامتها، ده بيتي، وحياتي، وعلاقتي بيهم، وحتى رجولتي اللي ضاعت مني وأنا واقف متفرج.

لقتها بصت لامى واختى وقالت بمنتهى الجبروت عارفين كان سبب الخناقه دى ايه

ياترى سبب الخناقه اللى وصلتهم لكده ايه ؟؟؟

الجو في المكتب كان تقيل ومكتوم، الظابط كان بيبص لنا باستغراب بعد ما سمع التقرير الطبي، وفجأة الصمت اتكسر بصوتها.. صوت كان هادي لكنه كان أقوى من الرعد.

بصت للظابط، وبعدين نقلت عينيها لأمي وأختي اللي كانوا لسه بيحاولوا يمثلوا دور “الناس اللي بتجيب حق ابنهم”، وقالت بنبرة فيها مرارة الدنيا: “عايزين تعرفوا سبب الخناقة اللي خلتهم يتهجموا عليا؟ أنا أقولكم”.

سكتت لحظة، كأنها بتجمع قوتها، والكل في المكتب اتسمر مكانه. كملت وهي بتبصلي مباشرة، نظرة خلت الدم يهرب من وشي: “البيه المحترم اللي واقف ده، اللي أهله جايين يربوني عشان ‘عليت صوتي عليه’، هو أصلاً اللي بدأ. أنا اكتشفت إنه بيخوني، ولقيته بيكلم واحدة تانية.. مواعيد، ورسايل، وكلام ميتسكتش عليه”.

أمي وأختي اتصدموا، وبدأوا يبصوا لبعض بتوتر، بس هي ما ادتهمش فرصة يتنفسوا. كملت وهي بتشاور بإيدها ناحيتنا: “وبدل ما تعقلوه، وبدل ما تقولوا له ‘عيب يا ابني دي أمانة في بيتك’، طلعتوا وبكل بجاحة اتهجمتوا عليا أنا، وضربتوني وقطعتوا هدومي، عشان إيه؟ عشان دافعت عن كرامتي اللي هو داس عليها بخيانته؟”.

ساد صمت تام، الظابط ساب القلم من إيده وبصلي بنظرة كلها احتقار، وقال بصوت حاد: “يعني الضرب ده كله كان عشان بتداروا على خيانته؟”.

حسيت بالأرض بتضيق عليا، أمي حاولت تبرر وتتهته في الكلام، بس كلام مراتي كان زي الرصاص اللي بيصيب في مق/تل. الهروب اللي كنت بحاول أعمله من الحقيقة انكشف، والبيت اللي كنت فاكر إني مسيطر فيه، بقى كتاب مفتوح قدام الظابط، وقدام أهلي، وقدام مراتي اللي قررت أخيراً إنها مش هتسكت على دور الضحية اللي كنت راسمولها.

خلص التحقيق، والوضع كان أسود من كل النواحي. طلعت من القسم وأنا حاسس إن كل حاجة بتنهار فوق دماغي، والاتهامات بقت محفورة في ملفات القضية. لقيتها واقفة بره على رصيف القسم، لوحدها، بتبص للسما، ملامحها كانت ثابتة بس عيونها بتحكي قصة تانية خالص.

قربت منها بخطوات تقيلة، حاولت أقول أي حاجة، أي مبرر، “اسمعيني يا…”.

قاطعتني قبل ما أكمل، بصتلي ببرود خلاني أتجمد في مكاني. قالت بصوت واطي بس كان بيخترق كل السكوت اللي حوالينا: “عارف يا مراد؟ كان ممكن أسامحك على الخيانة.. كان ممكن أعتبرها نزوة شيطان، أو غلطة راجل وقع فيها وندم، كنت ممكن ألاقي ألف عذر يخليني أتمسك بيك وأكمل معاك، رغم وجعي”.

سكتت لحظة، وخدت نفس عميق، وكملت وعينيها في عيني: “لكن إنك تكون خاين في بيتك، وتغدر بيا وتخلي أهلك ينهشوا في عرضي وكرامتي وأنا بصرخ باسمك وبستنجد بيك.. دي الحاجة اللي لا يمكن تتغفر. الخيانة يا مراد مش بس إنك تكلم واحدة تانية، الخيانة الحقيقية هي إنك تبيع اللي سابوا دنيتهم عشانك، وتدوس على اللي وثقت فيك، وتختار إنك تكون ‘عدو’ بدل ما تكون ‘سند’”.

كلماتها نزلت عليا زي ضربة السيف، خلتني مش قادر أرد، مش قادر حتى أداري وشي. كملت وهي بتمشي خطوة بعيد عني: “أنت لا خنتني أنا بس، أنت خنت الرجولة اللي كنت بتباهى بيها، وغدرت بكل لحظة أمان عشتها معاك. النهاردة، أنا مش بس سيبت البيت، أنا سيبت ‘الوهم’ اللي كنت عايشة فيه”.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى