Uncategorized

حكايات اسما السيد 1

نادية تنهدت بحسرة وفتحت الظرف. طلعت منه أوراق قديمة، إيصالات ماليّة، وشهادة ميلاد متآكلة أطرافها. قالتلي: “أبو عمر قبل ما يموت من ست سنين، كان سايب معايا الأوراق دي أمانة. أمانة وقاللي ما تطلعش غير يوم جواز عمر ومريم بالذات. أبوكي وأبو عمر الله يرحمهم، ماكانوش مجرد أصحاب ولا شركاء في التجارة زي ما إنتِ فاهمة… كان بينهم سر كبير يخص العيلة ويخص الديون القديمة اللي اتسببت في إفلاس عيلتكم زمان.”

مسكت الأوراق وأنا صوابعي بترتعش. قريت الأسماء والتفاصيل، وفجأة لقيت عقود تنازل عن أملاك باسمي أنا، مكتوبة بتاريخ قديم جدًا، وتحتها توقيع والدي وتوقيع والد عمر. نادية كملت كلامها وهي بتبصلي بأسف: “أبو عمر حط كل ثروته وتأمين حيواتكم في العقود دي، وعمر عرف بالصدفة من أسبوع واحد بس إن فيه حد من قرايبكم كان بيحاول يستولي على الورق ده وينشر إشاعات تهدم جوازتكم وتخلي عيلتك تشك في أصل فلوس جوازكم. عمر جالي امبارح عشان ياخد الأصل، ويدفع المبلغ اللي كان فاضل كشرط جزائي عشان ينهي القضية دي للأبد ومن غير ما إنتِ تشيلي هم أو تحسي بأي ذنب.”

كنت أسمع الكلام وعقلي بيدور. كل حاجة كانت منطقية، لكن كان فيه حاجة واحدة مش راكبة. بصيت لنادية وقلت لها: “طب وليه الكارت كان مكتوب عليه بخط ست: ‘بعد ما مريم تنام… اطلع لوحدك’؟ وليه الخط ده مش خطك إنتِ؟” نادية اتمسمرت مكانها، ووشها اتغير تمامًا. الألوان اتسحبت من وشها للمرة التانية، وتراجعت خطوة لورا. قالت بتمتمة مش مفهومة: “خط ست؟ الورقة دي… الورقة دي ماكنتش مني أنا يا مريم! أنا بعت لعمر رسالة عادي على الواتساب قلت له إن الأوراق جاهزة!”

في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط منتظم وقوي على باب الأوضة 412. الخبطات ماكانتش خبطات حد قلقان… كانت خبطات هادية، واثقة، وتعرف كويس مين اللي جوه. نادية بصت للباب برعب وقالت بصوت واطي جدًا: “متفتحيش… هو وصل.” مسكت موبايلي بسرعة، ولقيت رسالة جاية لي حالا من رقم عمر: “مريم… ارجعي الأوضة فورًا وما تفتحيش أي باب. اللي في أوضة 412 مش نادية اللي تعرفيها…”

تجمدت في مكاني والورق بيترعش في إيدي. بصيت لشاشة الموبايل تاني، رسالة عمر كانت واضحة وصريحة، لكن الصوت اللي ورا الباب كان بيخبط بثبات مرعب. نادية كانت واقفة ورايا، كفوف إيدها بتترعش وهي بتشاورلي بصباعها على بقها عشان أسكت خالص. قربت من الباب بخطوات أبطأ من النفس، وبصيت من العين السحرية.

اللي شوفتو بره خلّى قلبي يقف. ماكانش عمر… ولا كان حد غريب. كان شخص من أقرب الناس لينا، شخص كان واقف في الفرح امبارح بيوزع الابتسامات وبيدعي لنا بالخير. كان “حسام”، ابن عم عمر والكبير بتاع العيلة بعد وفاة عمي. كان واقف في الممر بلبس عادي، ماسك في إيده كارت مفتاح تاني، وواقف بيبص لساعته بقلة صبر.

رجعت لورا خطوتين وأنا حاطة إيدي على بؤي عشان أمنع صرختي. نادية قربت مني وهمست في ودني بصوت مبحوح: “حسام هو اللي كتب الورقة يا مريم… حسام هو اللي جابني هنا امبارح وزقني في الوش عشان يلعب اللعبة دي. هو اللي كان عاوز عمر يجي الأوضة هنا عشان يلقطه بصور أو يوريه أوراق مزورة تخلي عمر يسيبك في ليلة دخلتكم!”

قبل ما أستوعب الكلام، سمعنا صوت صفارة الكارت الإلكتروني على الباب: بيك… بيك… الباب اتفتح. دخل حسام والأكرة في إيده، وبص لينا إحنا الاتنين. ماظهرتش على وشه أي علامة مفاجأة لما شافني، بالعكس… ابتسم ابتسامة باردة جداً وقفل الباب وراه بالراحة. قال: “أهلاً يا عروسة… خطوة عزيزة. كنت فاكر إن عمر هو اللي هيجي، بس شكله أذكى مما توقعت… أو يمكن خايف.”

رديت عليه وصوتي بيرتجف من الغضب والخوف: “أنت عاوز إيه يا حسام؟ وليه بتعمل كل ده؟ أنت جاي ليلة فرحنا تخرب بيت ابن عمك؟” حسام قرب خطوة، ونادية استخبت تقريباً ورايا. طلّع من جيب جاكيتته مظروف أسود صغير وحطه على الترابيزة اللي جنب الباب وقال بثقة: “أنا مش جاي أخرب… أنا جاي أسترد اللي اتسرق مني. الأوراق اللي في إيدك دي يا مريم مش أوراق تنازل من أبي… دي العقود الأصلية لشركة أبويا اللي أباكِ وأبو عمر كتبوها باسمكم ورجعوا حرمونا منها بعد ما ماتوا. عمر عارف الحقيقة دي كويس، وعشان كده كان عاوز يأمن نفسه وياخد الورق من نادية قبل ما أنا أوصل له!”

وفجأة… اتفتح باب الأوضة بقوة مرعبة. اتدفع الباب لدرجة إنه خبط في الحيطة، وظهر عمر واقف على الباب. وشه كان شاحب، أنفاسه سريعة كأنه جرى الأسيير والسلالم كلها، وعيونه اتعلقت بعيوني الأول… كان فيها خوف ورعب عليا ما شوفتهمش في حياتي قبل كده. عمر دخل ودفع حسام بعيد عني ووقف بيني وبينه، وقال بصوت هز الأوضة: “ابعد عنها يا حسام! اللعبة بتاعتك خلصت.”

حسام ضحك بصوت عالٍ وقال: “خلصت؟ بالعكس يا ابن عمي… اللعبة يلا دوب بدأت. مريم دلوقتي شافت الورق، وعرفت إن جوازك منها ماكانش غير صفقة عشان تحمي أملاكك من القضايا اللي أنا رافعها عليك. قول لها يا عمر… قول لها السر اللي خبيته عنها أربع سنين! قول لها أنت اتجوزتها ليه أصلاً!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى