روايات وقصص

حكايات امانى السيد

كنت سامعة همسات مروة وهي بتضحك بصوت عالي عشان تسمعني، وفتحي اللي بيتعمد يعدي من قدام مكتبي كل شوية كأنه بيستفزني وعايز يشوف دموعي أو يسمع صوت انهياري، لكن كل نظرة تشفي منهم كانت بتتحول جوايا لبنزين بيغذي ناري. فتحت ملفات الشغل وبدأت أراجع كل ورقة ساعدت فيها فتحي خلال الشهور اللي فاتت، وكل تقرير مالي مروة قدمته باسمها في الفترة الأخيرة وكنت بحسن نية بصلحلها فيه أخطاء حسابية كارثية بحجة إني بساعد زميلة. في اللحظة دي، أدركت إن سذاجتي وطيبة قلبي هما اللي كانوا مدينهم السلاح، بس السلاح ده أنا اللي صانعاه، وأنا الوحيدة اللي أعرف أكسره إزاي. مسكت الماوس، ودخلت على السيرفر المشترك، وسحبت كل النسخ الأصلية من التقارير اللي كان فيها إيميلاتي وملاحظاتي وتعديلاتي بالتواريخ والدقائق. لقيت أخطاء جسيمة مروة عملتها في ميزانية المشروع الأخير اللي اتقبلت بيه للترقية، أخطاء هي متستوعبهاش من غبائها، وأنا كنت مدارية عليها وبصلحها أول بأول من وراها عشان الشغل ميقفش.. بس المرة دي، مش هصلح حاجة.

بعد ساعتين بالظبط، كان ميعاد الاجتماع الشهري مع المدير العام وأعضاء مجلس الإدارة لمراجعة تسليم المشروع الجديد، المشروع اللي مروة وفتحي كانوا واهمين نفسهم إنهم سرقوه مني خلاص وهيتقدم قدام الكل على إنه إنجازهم العظيم المشترك. قومت، مسكت الفولدر بتاعي في إيدي، وبصيت لمروة وفتحي اللي كانوا داخلين قاعة الاجتماعات متباهيين كأنهم ملوك متوجين، وابتسمت في سري؛ اللحظة اللي فاكرينها قمة انتصارهم، هتكون بداية النهاية اللي هيقعوا فيها على جدور رقبتهم. قعدت في طرف الترابيزة بهدوء مريب، ملامحي كانت ثابتة ومفيهاش أي تعبير يخليهم يحسوا بأي خوف أو تردد. المدير العام دخل، وبدأ الاجتماع، وكان فتحي مستني اللحظة دي بفارغ الصبر، قام وقف بكل ثقة عشان يقدم العرض والميزانية التقديرية اللي اعتمدوا فيها على شغلي القديم من غير ما يفهموا تفاصيله الحقيقية.

بدأ يتكلم بصوت جهوري وهو بيستعرض الأرقام على الشاشة الكبيرة، ومروة قاعدة جنبه بتبصلي بابتسامة نصر واضحة. سبته يكمل لحد ما وصل لأهم نقطة في المشروع؛ دراسة الجدوى وتوزيع السيولة النقدية للربع السنوي الأول، النقطة اللي كنت سايبالهم فيها “اللغم” اللي هيفرقع في وشهم. أول ما فتحي خلص جملته وقال: “وبكده نكون ضامنين عائد ربحي لا يقل عن 35% في أول تلات شهور”، رفعت إيدي بهدوء وطلبت الكلمة.

المدير بصلي وقال: “اتفضلي يا بشمهندسة، عندك ملاحظة؟” قومت وقفت، وفتحت اللاب توب بتاعي وعرضت تقرير موازي على الشاشة الجانبية، وبصوت واضح ومحسوب بالمللي قولت: “أنا بس كنت حابة ألفت نظر الإدارة لنقطة فنية خطيرة جداً في التقرير اللي قدمه الأستاذ فتحي ومدام مروة.. الميزانية المعروضة دي مبنية على معادلات ضريبية قديمة اتلغت من مدة، وفيه تضارب صريح في أرقام التكلفة التشغيلية هيتسبب في عجز مالي للشركة قيمته تتعدى الاتنين مليون جنيه مش أرباح 35%.”

القاعة كلها سكتت تماماً، المدير وشه اتقلب، وفتحي اتلخبط وبدأ يعرق ووشه يصفر، ومروة فتحت عينيها برعب وبدأت تقلب في الورق بإيدين مرتعشة. فتحي حاول يداري ارتباكه وزعق بصوت مهزوز: “الكلام ده مش حقيقي! الحسابات دي متراجعة كويس جداً ومستحيل يكون فيها خطأ زي ده، إنتي بس بتحاولي تشككي في شغلنا عشان…”

قاطعته بهدوء تام وأنا بطلع ملف مطبوع وحطيته قدام المدير العام: “اتفضل يا فندم، دي النسخ الأصلية بالتواريخ والإيميلات المتبادلة اللي بتثبت إن الحسابات دي مروة كانت بتبعتها ومكنتش فاهماها، والنسخة اللي اتعرضت دلوقتي اتعدلت من غير أي دراسة علمية عشان بس يلحقوا يقدموها باسمهم.. ودي الأرقام الحقيقية الموثقة اللي تثبت الكارثة اللي كانت الشركة هتدخل فيها لو اعتمدتوا شغلهم.”

المدير بص في الورق، وشه احمر من الغضب، ورزع الملف على الترابيزة بصوت هز القاعة كلها، وبص لفتحي ومروة بنظرة نارية وقال: “إيه التهريج ده؟! الحسابات دي كارثة بكل المقاييس.. انتوا الاتنين موقوفين عن الشغل فوراً لحد ما لجنة التفتيش المالي تحقق في التلاعب ده!”

بصيت لفتحي اللي كان واقف مذهول والدم هرب من وشه، وبصيت لمروة اللي كانت على وشك الإغماء من الفضيحة وسط الإدارة وزمايلهم كلهم. لميت حاجتي في هدوء، وقبل ما أخرج من قاعة الاجتماعات، عيني جت في عين فتحي، ابتسمتله ببرود وقولتله بصوت واطي سمعه هو بس: “قولتلك الشاطر اللي يكسب في الآخر.. وحقي مش بس باخده بنزاهة، ده أنا باخده قدام الكل وبقوة شغلي.”

خرجت من قاعة الاجتماعات وخطواتي ثابتة، والهدوء اللي كان مالي المكان اتحول لخلية نحل من الصدمة والهمسات. مكتب الأمن والشؤون القانونية دخلوا يسحبوا دفاتر الحسابات وأجهزة الكمبيوتر الخاصة بفتحي ومروة، والاتنين خرجوا من القاعة وراهم مطاطين روسهم، في نفس الممر اللي كانوا داخلين فيه من كام ساعة يتباهوا بجوازهم وغلهم.

التحقيق مخدش أكتر من أسبوع؛ لجنة المراجعة كشفت مش بس التلاعب في المشروع الجديد، لكن سرقات وتزوير في فواتير قديمة مروة كانت بتغطي عليها وفتحي بيعتمدها بحكم معرفته بالسيستم. النتيجة كانت فورية وقاسية: فصل تعسفي للاتنين مع إحالة الملف للنيابة العامة بتهمة إهدار أموال الشركة ومحاولة التدليس. الجوازة اللي اتبنت على الحقد والغدر مكملتش شهر، وبدأت الخناقات بينهم تسمع في كل مكان؛ هي بتتهمه إنه ورطها ودمر مستقبلها، وهو بيحملها مسؤولية الفضيحة والتحقيقات، لحد ما انتهت بطلاق أسرع من كتب الكتاب اللي فرحوا بيه.

أما أنا، فالمدير العام طلبني في مكتبه وقدم اعتذار رسمي بالنيابة عن الإدارة، وأصدر قرار بترقيتي لمديرة القطاع المالي والإداري تقديراً لأمانتي وحرفيتي اللي حمت الشركة من خسارة فادحة. رجعت البيت يومها، وقفت قدام مرايتي وبصيت لنفسي، مكنتش شايفة البنت المكسورة اللي قعدت تبكي بفستان خطوبتها لحد الفجر، كنت شايفة ست قوية، اتعلمت إن الطيب مش لازم يكون ساذج، وإن الكرامة والشطارة هما السلاح الحقيقي اللي بيرد أي غدر.. واللي فاكر إنه يقدر يكسر قلب حد عشان يوصل، الأيام بتدور وبتكسر ضهره بنفس الطريقة وأكتر.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى