
سكتت.
— فين الملف الأزرق؟
ريم انفجرت في العياط.
وقالت:
— ماما باعتهم!
أمي لفت لها بسرعة.
— ريم!
لكن خلاص.
الكلام خرج.
ريم حطت إيديها على وشها.
— أنا ما كنتش عايزة أقول…
أمي صرخت:
— اسكتي!
لكن جدي ضرب كفه على السفرة.
لأول مرة.
— هي هتتكلم!
كلنا اتفزعنا.
حتى أمي سكتت.
ريم قالت وهي بتعيط:
— ماما قالت إن الأرض دي المفروض تبقى بتاعتها… وإن جدو هيديها لنور في الآخر.
أنا شهقت.
جدي ما اتحركش.
ريم كملت:
— وقالت لازم نجيب الأوراق قبل ما نور تعرف.
بصيت لجدي.
— أنا؟
أمي أخيرًا بصتلي.
وكان في عينيها شيء عمري ما شفته قبل كده.
كره.
وقالت:
— أيوه، إنتِ!
السفرة اتجمدت.
قالت وهي بتصرخ:
— من ساعة ما اتولدتي وكل حاجة حواليكي بتبقى ليكي! جدو بيحبك، الناس بتحترمك، بتشتغلي، وعندك حياتك!
أنا بصيت لها بعدم تصديق.
— وإنتِ أمي.
قالت بمرارة:
— وأنا طول عمري بحاول أعوض ريم.
وهنا فهمت.
كل حاجة.
ريم ما كانتش بس أختي المدللة.
أمي كانت بتستخدم أي حاجة تخصني…
عشان تعوض ريم عن أي إحساس بالنقص.
نجاحي؟
كانت تقلل منه.
فلوسي؟
تطلب مني أساعد ريم.
وقتي؟
لازم أدي منه لأختي.
والعربية؟
أخدتها مني.
مش لأن ريم محتاجاها.
لكن لأن أمي ما كانتش قادرة تشوفني عندي حاجة ريم ما عندهاش.
جدي قام من مكانه.
وقال:
— العربية هترجع لنور النهارده.
أمي ضحكت بسخرية.
— يا سلام! عشان العربية أهم من بنتك؟
جدي قال:
— لأ.
ثم نظر لها مباشرة.
— لكن احترام ملكية الناس أهم من تربيتك اللي وصلتك للي عملتيه.
ثم أضاف:
— ومن النهارده، مش هتدخلي بيت المنصورة.
أمي فتحت فمها.
— إيه؟
— والمفاتيح كلها هتتغير.
ثم بص لعمتي.
— وإنتِ شاهدة على الكلام.
وبعدين قال:
— والأوراق اللي اتاخدت هترجع.
أمي قالت:
— أنا مش معايا حاجة!
جدي رفع موبايله.
— الفيديوهات موجودة.
سكتت.
— ولو حاجة ما رجعتش…
توقف قليلًا.
— هسيب القانون يتصرف.
ريم بدأت تعيط أكتر.
— أنا آسفة يا نور.
بصيت لها.
كنت زعلانة.
غاضبة.
لكن أكتر حاجة كانت بتوجعني…
إنها عرفت إنها بتاخد حاجة مش بتاعتها.
ومع ذلك…
استمتعت بكل لحظة.
قلت لها:
— إنتِ عمرك ما سألتي نفسك ليه أنا ساكتة؟
ريم مسحت دموعها.
ما ردتش.
قلت:
— لأنك طول عمرك اتعودتي إن أي حاجة بتاخديها… حد هيلاقي لك مبرر.
أمي قالت:
— نور، ما تتكلميش كده مع أختك.
ضحكت.
ضحكة قصيرة.
ومرة واحدة حسيت إني مش خايفة.
قلت:
— لأ يا ماما.
كل العيون اتجهت لي.
— أنا هتكلم.
أمي سكتت.
قلت:
— أنا سكت أسبوعين على عربيتي.
ثم بصيت لها.
— بس مش هسكت على حياتي كلها تاني.
الجملة دي…
خلت جدي يبتسم.
ابتسامة صغيرة.
فهمت منها إنه كان مستني يسمعها.
بعد الغدا…
طلعنا كلنا على الجراج.
ريم رجعتلي المفتاح.
كانت واقفة قدام العربية، والزينة الصغيرة اللي علقتها في المراية لسه مكانها.
فتحت الباب.
دخلت.
وأول حاجة عملتها…
شلت الزينة.
وبعدين بصيت ناحية أمي.
كانت واقفة بعيد.
لوحدها.
لأول مرة في حياتي…
ما جريت وراها عشان أرضيها.
ولا سألتها إذا كانت زعلانة.
ولا حاولت أصلح حاجة أنا ما بوظتهاش.
جدي قرب مني.
وقال:
— زعلانة؟
قلت:
— أيوه.
هز رأسه.
— حقك.
سكت شوية.
وبعدين قال:
— بس أوعي تخلّي اللي حصل يعلمك إنك تثقي في حد أقل.
بصيت له.
قال:
— اتعلمي بس إن الثقة لازم يكون ليها حدود.
حضنته.
وقلت:
— شكرًا يا جدو.
ابتسم.
— العربية عجبتك ولا نرجعها؟
ضحكت لأول مرة من قلبي.
— لأ… دي هتفضل معايا.
قال:
— يبقى أول مشوار ليكي… تعملي بيه حاجة لنفسك.
وسقت.
لوحدي.
المرة دي…
مش وأنا ساكتة.
ومش وأنا خايفة حد يزعل.
لكن وأنا فاهمة أخيرًا إن فيه فرق كبير بين إنك تكوني إنسانة طيبة…
وإنك تسمحي للناس يدوسوا عليك.
بعد أسبوع، أمي رجعت جزء من الحاجات.
والباقي…
اتصرف فيه جدي بطريقته.
أما البيت والأرض؟
اكتشفت إن جدي كان بالفعل عامل ترتيبات قانونية من سنين.
لكن مش باسمي لوحدي.
كان عايز يقسم كل شيء بعدل.
وقال لنا كلنا يومها:
— اللي يستحق نصيبه، ياخده.
لكن محدش…
ياخد نصيب غيره.
ومن يومها، ريم بطلت تطلب عربيتي.
وأمي؟
بقت تتعامل معايا بحذر.
مش لأنها فجأة اتغيرت.
لكن لأنها فهمت إن نور القديمة…
البنت اللي بتسكت عشان تحافظ على السلام…
ما بقتش موجودة.
وأنا؟
كل مرة بركب عربيتي الجديدة…
وبحط إيدي على الدركسيون…
بفتكر يوم الأحد ده.
يوم ما أمي وقعت الشوكة من إيدها.
ويوم ما أنا أخيرًا…
بطلت أسمح لحد ياخد مني حاجة ويقنعني إن ده طبيعي.
تمت



