
— أنا اللي اديتها لريم كام يوم.
السفرة كلها سكتت.
جدي حط المعلقة على الطبق.
وبص لأمي.
— إنتِ اللي اديتيها؟
قالت وهي بتحاول تحافظ على هدوئها:
— أيوه، ريم كانت محتاجاها أكتر.
رد جدي بصوت هادي جدًا:
— بس العربية مش بتاعتك.
تغير شكل أمي.
— يا بابا، ما تبالغش. نور تقدر تدفع أوبر عادي.
جدي بص ناحية الشباك.
وبعدين بص لريم.
— بقالك قد إيه بتستخدميها؟
— حوالي أسبوعين.
— وروحتي بيها فين؟
ريم ابتسمت.
كانت فاكرة إن الحوار بقى تحت السيطرة.
وده كان أكبر غلط عملته.
بدأت تحكي كل حاجة.
العين السخنة.
الخروجات مع أصحابها.
المطاعم.
ويك إند بره القاهرة.
وبعدين…
ذكرت البيت القديم.
قالت بكل بساطة:
— وروحت كمان بيت المنصورة، عشان ماما كانت محتاجة تجيب شوية حاجات.
أمي بطلت تبتسم.
وأنا بصيت لها.
أما جدي…
فما بصّش لها حتى.
فضل مركز عينيه على ريم.
سابها تكمل كلامها.
واستنى لحد ما كل الأصوات اختفت من السفرة.
وبعدين حط ذراعيه على الطاولة.
وقال:
— ريم… ممكن تقولي لي بالظبط إنتِ خرجتي إيه من بيتي في المنصورة؟
وفجأة…
الشوكة وقعت من إيد أمي.
وخبطت في الطبق.
ريم وشها شحب.
قالت بصوت متقطع:
— أنا… ما أخدتش حاجة مهمة.
جدي مد إيده لجيب الجاكيت.
وأخرج شيئًا منه.
ثم قال:
— أمال تفسري لي ليه لقيت ده…؟لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
لجزء الأخير
مدّ جدي إيده جوه جيب الجاكيت ببطء.
السفرة كلها كانت ساكتة.
حتى صوت الملاعق اختفى.
أمي كانت باصة قدامها، ووشها فقد لونه.
أما ريم…
فكانت قاعدة متخشبة مكانها.
طلع جدي من جيبه مفتاح صغير قديم.
وحطه فوق السفرة.
تك.
الصوت كان بسيط.
لكن بالنسبالي…
كان كأنه انفجار.
بص جدي لريم وقال:
— أمال تفسريلي ليه لقيت ده في شنطة العربية؟
ريم بلعت ريقها.
— مفتاح إيه ده؟
جدي ما ردش عليها.
لف ناحية أمي.
— سناء؟
أمي رفعت عينيها ببطء.
— إيه يا بابا؟
قال:
— إنتِ عارفة ده مفتاح إيه.
أمي حاولت تضحك.
لكن ضحكتها طلعت مكسورة.
— أكيد مفتاح من البيت القديم.
جدي هز رأسه.
— لأ.
وسكت ثانية.
ثم قال:
— ده مفتاح الدولاب الحديد اللي في أوضة أمك.
عمتي شهقت.
وأنا حسيت قلبي بدأ يدق بعنف.
بيت جدي في المنصورة…
كان فيه أوضة قديمة محدش بيدخلها تقريبًا.
أوضة جدتي الله يرحمها.
بعد وفاتها، جدي قفل معظم حاجاتها.
وكان دايمًا يقول:
«الحاجات دي ذكريات… مش للبيع ولا للتوزيع.»
بصيت لأمي.
ولأول مرة…
شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
جدي قال:
— يوم الجمعة اللي فات، روحت البيت عشان كنت محتاج ورقة قديمة.
لقيت الباب الخارجي مفتوح.
دخلت.
لقيت الأوضة اللي أنا قافلها من سنين…
مفتوحة.
ريم قالت بسرعة:
— أنا ما فتحتش حاجة!
جدي رفع عينه لها.
— محدش قال إنك فتحتي.
سكتت فورًا.
وهنا…
أمي غمضت عينيها.
كأنها عرفت إنها وقعت في الغلطة.
جدي كمل:
— لكن في حاجات كانت ناقصة.
عمتي قالت بصدمة:
— ناقصة إيه؟
جدي رد:
— صندوق مجوهرات أمهم.
أمي قالت بسرعة:
— يا بابا!
لكن جدي رفع إيده.
فسكتت.
— وساعة أبويا القديمة.
— وأوراق الملكية اللي كانت محفوظة في الملف الأزرق.
المرة دي…
أنا حسيت الدم يتجمد في جسمي.
أوراق ملكية؟
بصيت لأمي.
— أوراق ملكية إيه؟
ما ردتش.
جدي قال بهدوء:
— البيت القديم في المنصورة… والأرض اللي وراه.
ريم بصت لأمها بسرعة.
وأنا لاحظت النظرة.
نظرة قصيرة جدًا.
لكنها قالت كل حاجة.
قلت:
— ماما…
صوتي كان واطي.
— إنتِ طلبتي من ريم تروح البيت؟
أمي ضربت إيدها في السفرة.
— كفاية بقى! إنتوا عاملين من الموضوع جري.مة!
جدي قال:
— لأنه جري.مة يا سناء.
سكتت.
هو كمل:
— إنتِ خديتي عربية مش بتاعتك من غير إذن صاحبتها.
وأشار ناحيتي.
— وبعدها استخدمتي العربية عشان تبعتي بنتك التانية تدخل بيتي من غير إذني.
أمي قالت بعصبية:
— أنا بنتك!
رد جدي فورًا:
— وده مش معناه إنك تملكي كل حاجة باسمي.
السفرة كلها اتجمدت.
ريم بدأت تعيط.
— ماما قالتلي إن الحاجات دي أصلًا بتاعتنا!
جدي لف لها.
— مين «إحنا»؟
ريم مسحت دموعها.
— يعني… العيلة.
جدي قال:
— لأ يا ريم.
ثم أشار ناحية البيت.
— العيلة ليها حقوقها.
وسكت.
— لكن الطمع ملوش صلة قرابة.
أمي قامت من مكانها فجأة.
— أنا طمّاعة؟
جدي فضل قاعد.
وده كان أسوأ شيء.
لأن جدي لما كان بيزعق…
كنا كلنا عارفين إنه غضبان.
لكن لما يبقى هادي بالشكل ده؟
يبقى الموضوع خلص.
قال:
— من أسبوعين، إنتِ اتصلتي بيا.
أمي اتجمدت.
— قلتِ لي إنك خايفة على نور.
أنا رفعت رأسي.
إيه؟
جدي كمل:
— قلتي إن العربية الجديدة ممكن تكون حمل عليها، وإنك عايزة تساعديها تتعلم المسؤولية.
أمي قالت بسرعة:
— يا بابا، أنا…
— وأنا صدقتك.
قطع كلامها.
ثم بص لي.
— وعشان كده ما اتصلتش بنور.
حسيت بغصة في حلقي.
يعني أمي…
كانت بتسبقني.
كانت بتحاول تمنعني من الكلام مع جدي.
جدي قال:
— لكن لما روحت البيت في المنصورة ولقيت الحاجة ناقصة…
فهمت إن العربية كانت جزء من الموضوع.
عمتي قالت:
— يعني إيه؟
جدي طلع موبايله.
حطه على السفرة.
وقال:
— كاميرات البيت سجلت كل حاجة.
ريم شهقت.
أمي همست:
— كاميرات؟
جدي ابتسم ابتسامة باردة.
— أيوه.
ثم قال:
— إنتِ افتكرتِ إني راجل كبير ومش فاهم التكنولوجيا؟
ولا حد رد.
فتح جدي فيديو.
وأنا ما قدرتش أشوف الشاشة في الأول.
لكن بعد لحظات…
سمعت صوت أمي.
كان واضح جدًا.
«خليكي سريعة يا ريم، محدش هيعرف.»
وبعدين صوت ريم:
«بس يا ماما، نور لو عرفت…»
وصوت أمي:
«نور مش هتعرف حاجة. وهي أصلًا ساكتة على العربية، مش هتتكلم.»
الجملة دي…
كسرت حاجة جوايا.
مش لأنها أخدت عربيتي.
لكن لأنها كانت عارفة إني ساكتة.
وعارفة ليه.
واستخدمت سكوتي ضدي.
رفعت عيني لأمي.
كانت واقفة.
لكنها ما قدرتش تبصلي.
جدي قفل الفيديو.
وقال:
— خديتي حاجة من حفيدتي لأنك كنتِ عارفة إنها هتسكت.
ثم أشار ناحية ريم.
— واستخدمتي البنت التانية عشان تاخدي حاجات من بيتي.
أمي قالت:
— أنا ما سرقتش حاجة!
جدي قال:
— فين المجوهرات؟
سكتت.
— فين الساعة؟



