
لو نجحت في امتحان، لازم أمي تعملها حفلة علشان متزعلش.
ولو حد مدحني قدامها، كانت تقلب الدنيا لحد ما الاهتمام يرجعلها.
كنت بقول لنفسي إنها تصرفات طفولية وهتكبر وتعقل.
لكن للأسف، فيه ناس بتكبر في السن، وبتفضل الغيرة جواها زي ما هي.
أما آسر…
فده كان أكبر اختيار ندمت عليه في حياتي.
اتعرفت عليه من خمس سنين في مؤتمر اقتصادي.
كان طويل، ووسيم بشكل ملفت، وبيعرف يتكلم بثقة تخلي أي حد يسمعه.
كان بيشتغل وقتها على مشروع سياحي صغير، وعنده طموح كبير.
اتقرب مني باحترام، وفضل سنة كاملة يحاول يكسب ثقتي.
ولما اتقدملي، أبويا رفض في الأول.
قاللي:
— الراجل ده طموحه أكبر من إمكانياته يا ملك.
لكن أنا دافعت عنه.
— والطموح مش عيب يا بابا.
رد أبويا:
— الطموح مش عيب، بس الطمع مصيبة.
وقتها زعلت منه.
واعتبرت كلامه تقليل من آسر.
وبعد جوازنا، ساعدته في ترتيب شركته، وعرفته على مستثمرين، وفتحتله أبواب كانت مقفولة قدامه.
مكنتش بعمل كده علشان أشتري حبه.
كنت بعمله لأني شايفاه شريك عمري.
لكن من حوالي ست شهور، كل حاجة اتغيرت.
آسر بقى عصبي.
بيرجع متأخر.
بيخبي موبايله.
وبيخرج من الأوضة أول ما حد يتصل بيه.
ولو سألته عن أي حاجة، يرد:
— إنتِ بقيتي بتحققّي معايا ليه؟!
وفي نفس الوقت، نادين بدأت تظهر في كل مكان بيكون موجود فيه.
مرة في الشركة.
مرة في مؤتمر.
مرة في عشا عمل.
ولما سألتها عن اهتمامها المفاجئ بالاستثمار السياحي، ضحكت وقالت:
— هو إنتِ بس اللي ينفع تبقي سيدة أعمال يا ملك؟!
مكنتش عايزة أظلمهم بالشك.
لكن قلبي كان حاسس إن فيه حاجة غلط.
قبل عيد ميلادي بأسبوع، آسر دخل عليا المكتب ومعاه ملف كبير.
حطه قدامي وقال بابتسامة مفتعلة:
— عندي ليكي مفاجأة هتخلينا من أكبر المستثمرين في الساحل.
فتحت الملف.
كان مشروع منتجع سياحي ضخم، تابع لشركته، ومحتاج تمويل قيمته اتنين وخمسين مليون دولار.
المبلغ كان كبير جدًا.
والمشروع، على الورق، شكله مغري.
لكن فيه تفاصيل خلتني أقلق.
شركة مقاولات جديدة هتستلم جزء كبير من التنفيذ.
عقود توريد بأسعار أعلى من المعتاد.
وشركة استشارات خارجية هتاخد عمولة ضخمة.
سألته:
— مين أصحاب شركة الاستشارات دي؟
رد بسرعة:
— مستثمرين أجانب.
طب فين بيانات الملاك الحقيقيين؟
اتغير وشه.
— ملك، إنتِ مش واثقة فيا؟
قفلت الملف وقلت:
— الثقة حاجة، والفلوس اللي مسؤولة عنها حاجة تانية.
قام من مكانه بعصبية.
— إنتِ دايمًا بتحسسيني إني أقل منك!
اتصدمت.
— أنا عمري ما قلت كده!
— بس تصرفاتك بتقول!
سابني وخرج.
وبعدها بيومين، أبويا كلمني وطلب مني أوافق على الصفقة.
قال:
— المشروع مهم للعيلة كلها، وآسر تعب فيه.
قلتله:
— يا بابا، فيه حاجات محتاجة مراجعة.
رد بضيق:
— متعقديش الدنيا يا ملك. جوزك مش غريب.
مكنتش عارفة وقتها إن كلمة “مش غريب” دي هتبقى أكتر كلمة توجعني.
لأن الغريب ممكن تخافي منه وتحسبي حسابه.
إنما اللي بتأمنيله على قلبك وبيتك، لما يخونك، بيقدر يوجعك في مكان عمرك ما كنتِ متوقعة الضربة تيجي منه.
قبل الحفلة بيومين، كنت قاعدة في أوضة المكتب في البيت.
آسر كان نازل يقابل حد، وسايب التابلت القديم على المكتب.
الجهاز كان متوصل بحسابه، وفجأة ظهر إشعار رسالة.
مكنتش ناوية أفتحه.
لكن أول سطر خلاني أتجمد.
“بكرة خليها هي اللي تبدأ الأول… وإحنا هنكمل الباقي.”
اسم المرسل كان محفوظ بحرف واحد.
“N”.
وبعد ثواني، الإشعار اختفى.
مسكت التابلت وفضلت أبص للشاشة.
مين المقصود بكلمة “هي”؟
وإيه اللي المفروض تبدأه؟
وليه الرسالة اتبعتت بالطريقة دي؟
في الليلة دي منمتش.
قعدت أراجع ملف الصفقة من أوله لآخره.
واكتشفت إن الشركة اللي هتاخد عمولة الاستشارات اتأسست من أربع شهور بس.
نفس الفترة اللي آسر بدأ يتغير فيها.
طلبت من المدير المالي عندي، شريف، يراجع بياناتها بعيد عن أي حد.
وشددت عليه:
— محدش يعرف إنك بتدور ورا الشركة دي.
سألني:
— حضرتك شاكّة في حاجة؟
قلتله:
— أنا مش عايزة أشك… أنا عايزة أتأكد.
وفي نفس اليوم، جهزت إخطار رسمي بسحب موافقتي المبدئية على الاستثمار.
كانت الصفقة لسه مش نهائية، ومن حقي أوقفها قبل التوقيع الأخير.
وقعت الإخطار إلكترونيًا، وبعت نسخة للمستشار القانوني، وطلبت من شريف يجهز الملف علشان يتعرض في الوقت المناسب.
لكن قررت م أعلنش حاجة غير لما أتأكد.
لحد ما جه يوم عيد ميلادي.
الحفلة كانت في فندق فاخر على البحر.
الأنوار متعلقة حوالين حمام السباحة، والورد الأبيض مالي المكان، وفرقة موسيقية بتعزف بهدوء.




