روايات وقصص

حكايات اسما 3

انت مجرد بداية.

لأنه كان لازم يتعلم إن الأبوة مش صورة على فيسبوك.

ولا اسم في شهادة ميلاد.

ولا خروجة عائلية وقت ما يناسبه.

الأبوة مسؤولية.

زي الجواز بالظبط.

بعد حوالي ثلاثة شهور، كنت قاعدة مع أبويا في الجنينة.

ليلى نايمة في العربية الصغيرة جنبنا.

قال:

— هتعملي إيه؟

كنت عارفة بيسأل عن رامي.

قلت:

— لسه معرفش.

ابتسم.

— كويس.

ضحكت.

— كويس إني معرفش؟

— كويس إنك مش مستعجلة علشان ترضي حد.

سكت شوية.

وبعدين قلت:

— بابا؟

— نعم؟

— أنا آسفة.

بصلي.

— على إيه؟

— السنتين.

فضل ساكت.

قلت:

— أنا صدقت إنك كنت عايز تتحكم فيا.

قال:

— ساعات كنت بتحكم فعلًا.

ضحكت وسط دموعي.

— يعني مش هتديني فرصة أعتذر؟

ضحك.

— اعتذري عن اللي يخصك وأنا أعتذر عن اللي يخصني.

مديت إيدي.

مسكها.

قلت:

— وحشتني.

ضغط على إيدي.

— وإنتِ أكتر.

صحيت ليلى وبدأت تعمل أصوات صغيرة.

أبويا قام فورًا.

— حفيدتي صحيت.

قلت وأنا بضحك:

— دي بنتي بالمناسبة.

شالها وقال:

— وإنتِ بنتي. يبقى الاتنين بتوعي.

ضحكت.

وكان يمكن دي أول ضحكة حقيقية تطلع مني من يوم الولادة.

بعد ست شهور من الليلة دي…

رجعت وقفت قدام البيت اللي كنت عايشة فيه مع رامي.

لكن المرة دي ماكانش معايا شنطة.

رامي كان واقف عند الباب.

بصلي وقال:

— متأكدة؟

بصيتله.

— من حاجة واحدة.

— إيه؟

قلت:

— إن لو رجعنا، مش هنرجع لنفس الجواز القديم.

هز راسه.

قلت:

— مفيش أسرار.

— حاضر.

— مفيش والدتك تقرر عن بيتنا.

— حاضر.

— ومفيش “إنتِ مكبرة الموضوع” كل ما أقولك حاجة مضايقاني.

ابتسم بحزن.

— الجملة دي بطلت أطيقها أنا كمان.

قلت:

— والأهم…

بص لليلى اللي في حضني.

— بنتك عمرها ما تتحط في المرتبة التانية علشان ترضي أي حد.

قال من غير تردد:

— عمرها ما هتحصل تاني.

ما دخلتش فورًا.

فضلت واقفة عند الباب.

لأن الثقة مش كلمة.

والحب لوحده مش ضمان.

والفرصة التانية مش معناها إننا نمسح اللي حصل.

معناها إن الطرف اللي غلط لازم يثبت إنه اتعلم.

دخلت.

مش لأن رامي “استحقني”.

ولا لأن الست لازم تحافظ على بيتها مهما حصل.

دخلت لأن خلال الشهور اللي فاتت شفت تغييرًا حقيقيًا في تصرفاته، مش مجرد وعود.

ومع ذلك…

خليت استقلالي زي ما هو.

حساباتي باسمي.

أوراقي معايا.

وعلاقتي بأبويا عمرها ما اتقطعت تاني.

أما حماتي؟

علاقتي بيها بقت رسمية جدًا.

احترام من بعيد.

من غير أسرار.

ومن غير مفاتيح لبيتي أو قرارات تخص بنتي.

وفي أول عزومة عائلية بعد رجوعي، حصل موقف عمري ما هنساه.

نادين كانت مجهزة السفرة.

رامي دخل قبلي وهو شايل ليلى.

أمه كانت قاعدة.

بصتله وقالت:

— سيب البنت مع سارة وتعالى اقعد، الأكل هيبرد.

رامي وقف.

بص لأمه.

وبعدين بصلي.

وقال:

— لأ.

عايدة رفعت حاجبها.

قال:

— سارة هتقعد جنبي، وليلى معانا.

أمه سكتت.

رامي سحب كرسي ليا بنفسه.

وبعدين حط كرسي ليلى جنبه.

قعدت.

وبصيت للسفرة.

المرة دي…

كان فيه مكان ليا.

لكن الغريب إن وجود الكرسي ماكانش هو اللي فرق معايا.

الفرق إنني بقيت عارفة…

لو في يوم ماكانش فيه مكان ليا على سفرة حد…

مش هقف أترجاه يحطلي كرسي.

هقوم.

وأمشي.

لأن الليلة اللي خرج فيها رامي بعربيتي وسابني بعد ولادتي بست أيام، كنت فاكرة إن أسوأ حاجة حصلتلي إن جوزي اختار عيلته عليا.

لكن بعد شهور فهمت إن الليلة دي أنقذتني من حاجة أخطر.

أنقذتني من إني أفضل طول عمري أقبل القليل…

وأقنع نفسي إنه حب.

وعلمتني إن الرجوع لبيت أبويا ماكانش هزيمة.

وإن طلبي للمساعدة ماكانش ضعف.

وإن كوني زوجة مايلغيش كوني إنسانة لها حق تقول:

“لأ… المعاملة دي مش مناسبة ليا.”

أما الرسالة اللي بدأت كل حاجة؟

لسه محتفظة بيها.

مش علشان أستخدمها ضد حماتي.

لكن علشان كل ما أشوفها أفتكر سارة القديمة.

الست اللي كانت بتخاف تزعل الناس كلها…

إلا نفسها.

دلوقتي، ليلى كبرت شوية.

وأحيانًا وأنا شايلها، ببص لإيدها الصغيرة وأفتكر الليلة اللي قفلت فيها الشوربة، وجهزت شنطة واحدة، واتصلت برقم ماكلمتوش من سنتين.

مكالمة مدتها أقل من دقيقة…

غيّرت حياتي كلها.

— بابا؟

— سارة؟

— تعالى خدني.

وهو ما سألنيش:

“ليه؟”

قال بس:

— إنتِ والبنت كويسين؟

وبعدين:

— نص ساعة.

وأحيانًا…

الإنسان ما بيحتاجش حد يحل له حياته.

هو بس بيحتاج يعرف إن لو قرر يقوم من المكان اللي بيتوجع فيه…

فيه باب تاني هيتفتح له.

تمت

بقلم الكاتبة أسما السيد – حصري

ممنوع النسخ أو إعادة النشر دون إذن.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى