
ـ “وعارف يا أبو حميد؟ أنا بشكر ربنا كل يوم إنه سخرك لينا، وإنك ما استسلمتش للغضب الأعمى، وعلمتني درس عمري ما هنساه أبداً.. البني آدم بيتعلم، والحمد لله إن ربنا رَدنا للحق.”
أختي هزت راسها بتاييد ودموع التفاؤل لمعت في عينيها وقالت:
ـ “الدنيا مدرسة يا أخويا، واليومين اللي الواحد عاشهم في ضيق عرفونا مين السند ومين الأهل بجد.. ربنا ما يحرمني منكم أبداً.”
قامت أختي وقعدت جنبي على الدكة، وحطت إيدها على كتفي بحنان الأخوة الصادق، وحسيت ساعتها إن كل قرش شقيته بره، وكل غربة وتعب وعناء، كان ثمنهم غالي أوي ومستاهل: “طمأنينة العيلة، وستر البيت، والمحبة الحقيقية اللي مفيش كنز في الدنيا يساويها.”
عرفت وقتها إن الإنسان مهما لف ودور، مفيش أغلى من أصله وعيلته، وإن الظلم مهما علا صوته، فالحق والعدل هما اللي بينتصروا في النهاية. قفلت بفكري وعقلي كل جراح الماضي، وفتحت صفحة جديدة عنوانها الدائم: الأصول والمحبة التي لا تموت.
## الجزء الثامن والأخير: عهد الأمان وتمام السعادة
لم تكن السنوات التي مرت مجرد أرقام تُضاف إلى أعمارنا، بل كانت بناءً متكاملاً لأساس صلب لا يمكن لأي ريح أن تهزه بعد اليوم. اليوم، وأنا أقف على عتبة مرحلة جديدة من عمري، أخذت قراري النهائي الذي كنت أؤجله طويلاً؛ قررت أن أنهي غربتي نهائياً وأرجع إلى بلدتي وأهلي، لأعيش بينهم وسط أولادي وأختي وزوجتي التي أصبحت سنداً حقيقياً لكل محتاج في العائلة.
في صباح يوم هادئ، جمعت حقائبي للمرة الأخيرة وأنا أودع مطار الغربة بلا رجعة. طوال رحلة الطائرة، كان شريط السنين يعرض أمامي بوضوح؛ تذكرت بدايات القهرة والوجع، رسالة الجار التي فتحت عينيّ على الحقيقة، دموع أختي وهي تغسل السجاجيد، ثم العاصفة التي هبّت، وتدارك الأمور بحكمة وعدل، وصولاً إلى هذا اليوم الذي أصبح فيه بيتنا واحة من السكينة والمحبة.
وصلت إلى بيتي، فتحت الباب بالمفتاح وبهدوء دخلت الصالة. لم تعد الشقة تشبه ذلك المكان البارد الذي تفوح منه رائحة الخداع قديماً؛ بل أصبحت تفوح برائحة الدفء والألفة. بمجرد أن سمعت زوجتي صوت خطواتي، خرجت من المطبخ وهي تحمل صينية الفطور، وما إن وقعت عينيها عليّ وأنا أقف بحقيبتي النهائية، حتى وضعت الصينية على الطاولة وجريت نحوي وهي تدمع من شدة الفرحة:
ـ “حمد لله على سلامتك يا أبو حميد.. مش مصدقة إنك رجعت ومش هسافر تاني!”
ـ “خلاص يا أم فلان.. الغربة انتهت، وجاء وقت نعيش وسط ولادنا وأهلنا بقلوب صافية.”
وفي نفس اللحظة، كان باب الشقة يفتح ودخلت أختي وهي تحمل في يدها طبقاً من الحلويات الطازجة كعادتها كل صباح، وما إن رأتني حتى سقط الطبق من يدها من شدة المفاجأة، وجرت نحوي لتغرق في حضني وهي تبكي بدموع الفرح والاطمئنان:
ـ “أخويا.. نورت بيتك وبلدك للأبد؟”
ـ “أه يا قلب أخوكِ.. جيت ومش مفارقكم تاني أبداً، وقعدتي جنبكم هي كل ما تمنيت.”
اجتمعنا حول مائدة الطعام، وكانت الزوجة والأخت جنباً إلى جنب، تتبادلان الضحكات وخدمة بعضهما البعض بكل حب ونقاء، وولادنا يلعبون حولنا بلا أي خوف أو غصة في حلوقهم. نظرت إليهم جميعاً وأدركت المعنى الحقيقي لقوله تعالى إن العاقبة للمتقين، وإن الظلم مهما طال ليله، ففجر العدل والأصول لابد أن يسطع.
رفعت يدي بحمد الله وشكره، وعرفت أن القصة انتهت، لكن الحياة الطيبة بيننا قد بدأت للتو. فالمال يذهب ويأتي، والجاه يزول، ولكن الأصول، وصلة الرحم، وسلامة القلوب، هي الكنز الوحيد الذي يَبقى ولا يُقدر بثمن.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




