
في المستشفى، كانت الأجواء أهدى بكتير. ندى كانت قاعدة على السرير وبتبص لابنها الصغير اللي سمته “حمزة” عشان يكون في ضهره سند وقوة. الباب خبط، ودخلت أختها الكبيرة “شيماء” وهي بتجري بدموع الفرحة والحضن المفتوح، ورمت نفسها على ندى وهي بتعيط بحرقة:
“حقك رجع يا ندى.. أمينة حكت لي على كل حاجة! أنا أسفة إني مكنتش جنبك، أسفة إني مأخدتش بالكويس من اللي بيحصل.. سامحيني!”
ندى حضنت اختها وقالت بصوت دافئ:
“خلاص يا شيماء، الكابوس انتهى.. أنا وحمزة بقينا في أمان، وربنا بعت لنا ناس تنقذنا في آخر لحظة.”
مصطفى وأمينة كانوا واقفين على الباب بيبتسموا للمشهد الإنساني ده. مصطفى حس بإحساس غريب جواه، كأن ربنا جعله سبب عشان ينقذ حياة الست دي وابنها من الموت المحقق.
بس المفاجأة لم تخلص عند هذا الحد..
بالليل متأخر، وفي نفس الوقت اللي كانت التحقيقات بتتسارع فيه ضد اللواء محروس وعصابته، دخلت عربية سوداء فخمة قدام باب المستشفى ونزل منها شخص لابس بدلة رسمية أنيقة، ومعاه شخصين تانيين من الحراسة الخاصة. دخلوا من باب الطوارئ وطلعوا على الدور اللي فيه غرفة ندى بسرعة غريبة.
العسكريين اللي كانوا واقفين قدام الأوضة استوقفوهم بحزم:
“وقف عندك.. ممنوع الدخول بأمر النيابة!”
الشخص اللي كان في المقدمة طلع بطاقته الشخصية وقال بصوت هادئ ومهم:
“أنا المستشار رأفت.. محامي بخصوص بلاغ مقدم من جهة سيادية عليا بخصوص تأمين المجني عليها ندى.. ومطلوب نقلها فوراً لمكان آمن ومجهز لحمايتها قبل ما أتباع اللواء محروس يوصلوا لها!”
ندى اللي كانت صاحية وسامعة الكلام من جوه الأوضة، قلبها دق برعب، وبصت لأختها شيماء وهي بتقول بتهتهة:
“مين ده يا شيماء؟.. هو الكابوس لسه مخلصش ولا إيه؟!”
ظابط المباحث المسؤول عن تأمين المستشفى جه على صوت الحوار، ووقف قدام المستشار رأفت بعينين فاحصة ونبرة قاطعة:
“أهلاً يا سيادة المستشار.. معلش، التعليمات عندي مشددة، ومفيش أي مخلوق يخرج من المستشفى أو ينقل المدام ندى إلا بأمر مباشر ومكتوب مني وبإذن من النيابة العامة.. اتفضل وريني إذن النيابة أو التصريح الرسمي!”
المستشار رأفت ابتسم بهدوء وثقة، وطلع ملف جلدي فيه أوراق رسمية بختم الدولة والنيابة العامة، ومد إيده بيها للظابط وقال:
“اتفضل يا فندم، كل الإجراءات قانونية وموقعة بقرار عاجل من النائب العام لتأمين الشاهدة الرئيسية والطفل في قضية شبكة اللواء محروس، خصوصاً بعد ما وصلتنا معلومات أكيدة إن رجالته بيخططوا على المستشفى لتهريب المستندات وإسكات ندى للأبد.”
الظابط قرأ الورقة بتركيز شديد، واتأكد من صحة الأختام، وبعدين بص لندى اللي كانت مرعوبة وهي حاضنة ابنها “حمزة” وقاعده على السرير، وقال لها بنبرة مطمنة:
“اطمني يا مدام ندى.. الإجراءات دي عشان حمايتك أنتي وابنك، وقوة خاصة من مكافحة الإرهاب هترافقكم لحد المكان الآمن.”
شيماء أختها مسكت إيدها وقالت بتشجيع:
“روحي يا ندى، ده أمان ليكي ولابنك.. وأنا هكون معاكم خطوة بخطوة.”
مصطفى، عامل الدليفري، قرب بخطوات بطيئة وقال بابتسامة دافئة:
“وأنا كمان مش هتحرك من هنا.. الموتوسيكل بتاعي جاهز، وهكون ماشي ورا عربية التأمين لحد ما تطمنوا في مكانكم الجديد.. ربنا ما يوريكم أي شر تاني أبداً.”
ندى بصت لكل اللي حواليها؛ لأمينة اللي فتحت باب بيتها وقلبها لها، ولمصطفى اللي كان سبباً في نجاتها، و لأختها اللي عمرها ما سابتها.. وشافت في عيون ابنها الصغير نظرة قوة وبداية جديدة.
تحت حراسة أمنية مشددة، خرجت ندى من باب المستشفى وهي رافعة راسها لفوق، وسابت وراها جدران الشقة الملعونة، وكل ذكريات الظلم والقهر.
في نفس اللحظة دي، كانت قوات الأمن الخاصة بتداهم فيلا اللواء محروس وتقبض عليه وهو بيحاول يهرب مع باقي أفراد العصابة، واتقفلت القضية متلبسة بكل أدلتها، وصدرت الأحكام القضائية الرادعة اللي رجعت لندى حقها وحق ابنها بالقانون.
بعد مرور سنة كاملة.. كانت ندى قاعدة في شقة جديدة، هادية، مليانة نور وأمل، وحمزة بيلعب قدامها على السجادة وبيضحك بصوت عالي. فتحت باب البلكونة، وشافت الشمس طالعة صافية ومنورة الشارع، وحست لأول مرة في حياتها إن الجرح التم، وإن بكرة أحلى وأطهر بكتير من إمبارح.




