
كملت وأنا حاسة إن صوتي بيترعش: ـ أنا من صغري كنت بشوفك بتيجي لنا يوم ولا يومين، وبعدها تختفي. كنت بشوفك بتجيب لسمر كل اللي نفسها فيه، وأنا بنتك أقعد أطلب منك مصاريف المدرسة كأني بطلب صدقة. ماما كانت بتدافع عنك قدامي، وتقول لي استحملي عشان خاطركم. تعرف يا بابا؟ أنا كنت بزعل منها أوقات، مش عشان هي وحشة، لكن عشان كانت بتعلمني أستحمل وجع إنت السبب فيه!
بابا نزل عينه في الأرض.
أما سمر، فكانت بتبص لي وهي ساكتة.
وفجأة قالت: ـ يعني إنتِ اتجوزتي أدهم عشان تنتقمي مني؟
السؤال نزل عليا زي الحجر.
كنت أقدر أكذب، وأقول لها إني بحب أدهم وإن كل ده حصل من غير ترتيب. لكن لقيت نفسي بقول: ـ أيوه.
سعاد حطت إيدها على قلبها من الصدمة، وسمر قربت مني خطوة وقالت: ـ يعني كل اللي كنتِ بتعمليه قدامي كان مقصود؟ كل مرة كنتِ تقعدي معاه وتضحكي، وكل مرة كنتِ تتدلعي عليه وإنتِ عارفة إني شايفاكي؟
بصيت لها وقلت: ـ أيوه يا سمر، كنت عايزاكي تحسي باللي أمي حست بيه.
سمر هزت راسها وهي بتعيط: ـ بس أنا عملت لك إيه؟!
اتجمدت مكاني.
السؤال كان بسيط، لكنه هزني من جوايا.
رديت بسرعة: ـ إنتِ كنتِ بتاخدي كل حاجة، وأنا كنت محرومة من كل حاجة!
قالت بصوت مكسور: ـ وأنا اللي اخترت إن باباكي يفضلكم علينا؟ أنا اللي كنت بمنعه يصرف عليكم؟ أنا اللي كنت بقول له ما يزوركمش؟
ما رديتش.
كملت وهي بتمسح دموعها: ـ أنا مش هقول لك إني كنت ملاك، ولا هكدب وأقول لك إن حياتي كلها كانت مثالية. أنا اتعودت إن كل حاجة تيجي لي، ويمكن ما فكرتش فيكي ولا في إحساسك. بس إنتِ دلوقتي بتعاقبيني على حاجات أنا ماكنتش فاهمة حجمها، وبتخليني أعيش في بيت مش حاسة فيه بالأمان، مع راجل إنتِ بنفسك بتقولي إنك مش بتحبيه.
حاولت أتكلم، لكن الكلام وقف في زوري.
لأني، لأول مرة، سمعت الحقيقة من غير ما تكون متغطية بغضبي.
أنا فعلًا ماكنتش بحب أدهم.
ولا كنت بفكر إذا كان هيبقى سعيد معايا أو لأ.
كنت بفكر في سمر وبس.
بابا قام من مكانه وقال: ـ كفاية! أنا غلطت في حق أمك، وغلطت في حقك، ومش هقدر أنكر ده. بس اللي إنتِ بتعمليه دلوقتي مش هيصلح حاجة من اللي فات.
بصيت له بصدمة.
بابا بيعترف إنه غلطان!
استنيت الاعتراف ده سنين طويلة، وكنت متخيلة إني لما أسمعه هعيط من الفرحة، وأحس إن حقي رجع.
لكن الغريب إني ماحسيتش بأي راحة.
لأن اعتذاره جه بعد ما أنا كمان بقيت سبب في وجع إنسانة تانية.
رجعت البيت وأنا دماغي هتنفجر من التفكير.
أدهم كان مستنيني، وأول ما دخلت قال: ـ كنتِ عند باباكي؟
قلت له: ـ أيوه.
ـ وحصل إيه؟
حكيت له اللي حصل، وكنت متوقعة إنه يفرح إني واجهت سعاد وبابا، لكنه فضل ساكت شوية، وبعدها سألني: ـ إنتِ فعلًا اتجوزتيني عشان تنتقمي من سمر؟
بصيت له، واتمنيت لو سمر ما كانتش قالت له حاجة.
قلت: ـ إنت عرفت منين؟
رد بمرارة: ـ هي كلمتني بعد ما خرجتي من عندهم. قالت لي إنها فهمت كل حاجة، وإنك عمرك ما حبيتيني، وإنك دخلتي حياتي عشان تكسريها.
ضحكت بتوتر وقلت: ـ وإنت زعلان ليه؟ ما إنت أصلًا مش بتحبها!
أدهم بص لي طويلًا، وبعدين قال: ـ أنا فعلًا علاقتي بسمر انتهت من زمان، وكنت غلطان إني فضلت سايب الوضع معلق بدل ما أحسمه. بس ده ما يديكيش الحق تستخدمي جوازنا
قلت بعصبية: ـ وإنت كمان كنت بتستخدم وجودي عشان تغيظها! ولا نسيت لما كنت بتتجاهلها قدامي، وتتعمد تدلعني وهي موجودة؟
نزل أدهم عينه، وبعد لحظات قال: ـ عندك حق. أنا كمان كنت غلطان. كنت عايز أعاقبها بطريقتي، ولما لقيتك بتسمعيني وبتقفِي جنبي، افتكرت إنك فعلًا بتحبيني. يمكن أنا كنت محتاج حد يحسسني إني مهم، وإنتِ كنتِ محتاجة حد يساعدك تنتقمي. وكل واحد فينا خد من التاني اللي كان محتاجه، من غير ما يفكر في العواقب.
كلامه وجعني أكتر من أي اتهام.
لأني اكتشفت إن أدهم، اللي كنت فاكرة إني بتحكم في مشاعره، كان هو كمان بيهرب من مشاكله، وأنا كنت وسيلته للهروب.
سألني فجأة: ـ قولي لي بصراحة، لو سمر ما كانتش موجودة في حياتي، ولو ماكنش فيه انتقام، كنتِ هتختاريني؟
فتحت بقي عشان أرد، لكن ماقدرتش.
ولأول مرة، ماعرفتش أكذب.
أدهم ابتسم ابتسامة حزينة وقال: ـ سكوتك كفاية.
وقام ودخل أوضته، وسابني قاعدة لوحدي.
في الليلة دي، ماعرفتش أنام.
فضلت أفتكر أمي، وأفتكر كل مرة كانت بتخبّي دموعها عننا، وكل مرة كانت بتقول لي إنها مستحملة عشان تشوفني عروسة وتفرح بيا.
وفجأة، حسيت إني لازم أروح لها.
لبست ونزلت، ولما وصلت بيتها لقيتها صاحية، قاعدة في الصالة وبتقرأ قرآن.
أول ما شافتني ابتسمت وقالت: ـ إيه يا بنتي؟ خير؟ إنتِ جاية في الوقت ده ليه؟
قعدت جنبها، وحطيت راسي على رجلها زي ما كنت بعمل وأنا صغيرة.
مسحت على شعري وقالت: ـ مالك يا حبيبتي؟
انفجرت في العياط.
فضلت أعيط لحد ما أمي خافت عليا، وفضلت تسألني: ـ حصل إيه؟ أدهم زعلك؟ حد ضايقك؟
رفعت راسي وبصيت لها، وقلت: ـ أنا عملت حاجة وحشة يا ماما.
ابتسمت بحنان وقالت: ـ كلنا بنغلط يا بنتي، المهم نفهم غلطنا ونصلحه على قد ما نقدر.
حكيت لها كل حاجة.
حكيت لها إزاي كنت بتعمد أغيظ سمر، وإزاي استغليت مشاكلها مع أدهم، وإزاي وافقت أتجوزه وأنا مش بحبه، وكل اللي حصل بينا.
كنت مستنية إنها تزعل مني، أو حتى تلومني.
لكن أمي فضلت ساكتة، ودموعها بتنزل بهدوء.
وبعد شوية قالت: ـ أنا عارفة إنك اتوجعتي يا بنتي، وعارفة إنك كنتِ شايفة الظلم قدام عينك وإنتِ صغيرة ومش قادرة تعملي حاجة. وعمري ما هقول لك إن اللي حصل لنا كان سهل، ولا هطلب منك تنسي اللي فات.
مسكت إيدي وكملت: ـ بس أنا كنت مستحملة عشانكم، مش عشان تكبروا وتعيشوا عمركم كله في خصام وانتقام. كنت عايزاكي تعيشي أحسن مني، مش تعيدي نفس وجعي مع ناس تانية.
قلت لها وأنا بعيط: ـ بس أنا كنت عايزة أرجع لك حقك!
ردت عليا: ـ حقي مش هيرجع لما بنت تانية تعيط. حقي يرجع لما أبوكي يعرف إنه ظلمنا، ويعترف بمسؤوليته، ولما إنتِ تعرفي إنك تستاهلي تعيشي سعيدة من غير ما تبني سعادتك على وجع حد.
الكلام ده دخل قلبي بطريقة ماكنتش متوقعاها.
أمي، اللي أنا قضيت سنين بزعل عشانها، كانت بتطلب مني حاجة أنا ماعرفتش أعملها طول عمري: إني أبطل أعيش أسيرة للي حصل زمان.
حضنتها بقوة وقلت: ـ سامحيني يا ماما.
بصت لي باستغراب: ـ على إيه يا حبيبتي؟
قلت: ـ عشان خليت وجعك حجة أوجع بيها غيري.
أمي حضنتني، وقالت: ـ ربنا يهدي قلبك يا بنتي.
تاني يوم، قررت أواجه نفسي قبل ما أواجه أي حد تاني.
رجعت البيت، ولقيت أدهم قاعد في البلكونة.
قعدت قدامه وقلت: ـ أنا عايزة أتكلم معاك.
بص لي وقال: ـ اتفضلي.
قلت: ـ أنا مش هكدب عليك تاني. أنا فعلًا دخلت حياتك عشان أنتقم من سمر، وده كان غلط. ومش هطلب منك تسامحني دلوقتي، لكن لازم نحدد إحنا عايزين إيه من الجواز ده بعيد عن أي حد تالت.
فضل ساكت، وبعدها قال: ـ وأنا لازم أكون صريح معاكي. أنا ماكنتش عادل مع سمر، ولا معاكي. كنت فاكر إن وجودك هيخليني أنسى مشاكلي، لكن ماينفعش أفضل عايش في علاقة مبنية على الانتقام.
اتفقنا إننا ناخد وقت نفكر، وإننا ما نستخدمش بعض عشان نوجع أي حد تاني.
أما سمر، فكان لازم تواجه حياتها وقراراتها بنفسها، بعيدًا عن محاولاتي للسيطرة عليها أو محاولة أدهم معاقبتها.
ولأول مرة، ما بقيتش مهتمة أعرف هي بتعيط ولا بتضحك، ولا أدهم جابلها إيه أو جاب لي إيه.
كنت محتاجة أعرف أنا مين بعيدًا عن البنت الصغيرة اللي قضت عمرها مستنية أبوها يختارها.
لكن الحكاية ما انتهتش هنا.
بعد يومين، وأنا راجعة من الشغل، لقيت بابا واقف قدام البيت، وفي إيده ظرف، ووشه باين عليه إنه جاي يقول كلام مؤجله من سنين.
أول ما شافني قال: ـ لازم تعرفي الحق
يقة كاملة عن اللي حصل زمان بيني وبين أمك، وعن السبب اللي خلاني أفضّل بيت سعاد على بيتي الأول.
بصيت له بصدمة، وسألته: ـ هو فيه حاجة أنا ماعرفهاش؟
هز راسه وقال: ـ أيوه يا بنتي، وفيه حاجة لو عرفتيها، ممكن تغيّر نظرتك لكل اللي حصل.
يتبع…




