منوعات

حكايات امانى 1

كنت فاكرة إني لما أشوف سمر مكسورة ومقهورة زي ما أمي كانت مكسورة زمان، هحس إني أخدت حق أمي، وإن النار اللي جوايا هتطفي أخيرًا.

لكن اللي ماكنتش أعرفه إن الانتقام لما بيدخل القلب، بيخلي صاحبه مش شايف غير الوجع اللي عايز يسببه لغيره، وينسى إنه ممكن في لحظة يخسر نفسه كمان.

في يوم كنت قاعدة في الصالة، وأدهم جنبي، بنشرب القهوة ونتفرج على التلفزيون، وفجأة سمر خرجت من أوضتها وهي لابسة ونازلة.

أدهم بص لها من فوق لتحت وقال ببرود: ـ رايحة فين؟

ردت عليه وهي بتحاول تتمالك أعصابها: ـ رايحة عند ماما، بقالي كتير ماشوفتهاش.

قال لها من غير ما يبصلها: ـ براحتك، بس ماتتأخريش، عندي شغل بكرة.

بصت له بوجع، وبعدها عينيها راحت عليا، وأنا كنت قاعدة جنبه ومسنودة على كتفه، وبابتسامة هادية قلت لها: ـ خلي بالك من نفسك يا سمر، ولو محتاجة أي حاجة قوليلي، إحنا بقينا أهل دلوقتي!

ضحكت ضحكة صغيرة، ضحكة كلها شماتة، لكن سمر ما ردتش، وخرجت وقفلت الباب وراها.

أدهم بص لي وقال: ـ إنتِ إزاي طيبة كده معاها بعد كل اللي بتعمله؟

ابتسمت وقلت: ـ أصل أنا مش بحب أزعل حد، وبعدين دي مراتك، ولازم أحترمها.

ضحك أدهم وقال: ـ مراتى على الورق بس، إنما إنتِ اللي ماليّة عليا حياتي.

الكلام ده كان المفروض يفرحني، لكن الغريب إني لأول مرة حسيت بحاجة غريبة جوايا. يمكن عشان أدهم كان بيتكلم عن سمر كأنها ولا حاجة، مع إنها في يوم من الأيام كانت إنسانة ليها قلب ومشاعر، حتى لو كانت مغرورة ومتعودة تاخد كل حاجة لنفسها.

بس بسرعة طردت الفكرة من دماغي.

أنا مش جاية هنا عشان أحن عليها، أنا جاية عشان أرجّع حق أمي.

وده اللي كنت بقوله لنفسي كل يوم.

بعد أسبوع، بابا اتصل بيا.

أول ما شفت اسمه على الموبايل، استغربت، لأن بابا عمره ما كان بيتصل بيا إلا لو محتاج حاجة أو عايزني أروح له.

رديت: ـ أيوه يا بابا.

قال بصوت متوتر: ـ إنتِ فين دلوقتي؟

ـ في البيت، فيه حاجة؟

ـ عايزك تيجي لي ضروري، لوحدك.

قفلت معاه، وفضلت أفكر يا ترى عايز إيه. قلت لأدهم إني رايحة أزور ماما، ونزلت على بيت بابا.

أول ما دخلت، لقيته قاعد في الصالة، وشكله متغير، ومراته سعاد قاعدة جنبه، وسمر واقفة عند الشباك ووشها أحمر من العياط.

بابا أول ما شافني قال بعصبية: ـ إنتِ إيه اللي عملتيه فينا ده؟!

بصيت له باستغراب مصطنع: ـ عملت إيه يا بابا؟ هو أنا عملت حاجة؟

سعاد قامت من مكانها وقالت: ـ بلاش تمثيل! إنتِ عارفة كويس إنتِ عملتي إيه. إنتِ دخلتي بيت بنتي وخدتي جوزها منها، ولسه كمان بتتباهِي قدامها!

بصيت لها، والسنين كلها عدت قدام عيني في لحظة.

افتكرت أمي وهي قاعدة مستنيّة بابا يرجع، والأكل يبرد على الترابيزة، وأنا صغيرة أسألها: هو بابا اتأخر ليه؟

كانت تبتسم وتقول لي: ـ عنده شغل يا حبيبتي.

كبرت وعرفت إن الشغل كان مجرد حجة، وإن فيه بيت تاني وناس تانية كانوا بياخدوا من وقت بابا واهتمامه أكتر مننا.

رجعت بصيت لسعاد وقلت بهدوء: ـ غريبة أوي يا طنط! إنتِ زعلانة ليه؟ هو مش ده اللي كنتِ شايفاه عادي لما ماما كانت بتعيشه؟ ولا الوجع بيبقى حلو لما يكون في بيت غير بيتك؟

وشها اتغير، وبابا صرخ: ـ إنتِ بتتكلمي مع مرات أبوكي بالطريقة دي ليه؟!

بصيت له وقلت: ـ مرات أبويا؟ طب وماما كانت إيه يا بابا؟ كانت مراتك برضه، ولا أنا غلطانة؟

سكت.

لأول مرة في حياتي، بابا ما لاقاش رد يقوله.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى