
قرّب منها أكتر، وشفايفه بدأت تترعش، وعينيه اتمَلوا بالدموع.
وفجأة، دموعه نزلت على وشّه وهو بيقول بصوت مخنوق:
ـ يا إلهي… لأ… مستحيل!
بصت له أمي بهدوء تام، وقالت بصوت هادئ يحمل كل معاني الألم والكرامة:
ـ مش كل إيد بتتمد في الجيب بتبحث عن سرقة يا ابني… أحياناً بتبحث عن ذكرى مستخبية من ريحة الزمن الجميل.
فرد الأمن كان واقف مكانه زي المسطول، عينه مش فارقة عن القطعة الصغيرة اللي في إيد أمي. الكل حوالينا سكت، والناس اللي كانت متلمّدة ومطلعة موبايلاتها عشان تصوّر، نزلت إيديها ببطء وكأنهم حسّوا بفادحة الغلطة اللي ارتكبوها.
اللي كانت أمي مطلعاها من جيبها… لم تكن تفاحة مسروقة، ولا شوكولاتة مخباة، ولا أي حاجة مادية أساساً.
دي كانت “كشكول خروج” قديم جداً، مجلّد بجلد أسود قديم ومتهالك، وورقه أصفر من تأثير السنين، وعليه طوابع بريد قديمة وخط عربي أصيل مكتوب بحبر جاف أزرق باهت.
قرّب فرد الأمن خطوة كمان وهو بيترعش، ومد إيده المرتجفة وهو بيكلم نفسه بصوت واطي:
ـ الكشكول ده… ده كشكول الأستاذة فاطمة… إزاي… إزاي ده معاكي؟!
رفعت أمي راسها لفوق، وقالت بنبرة فيها شموخ سنين طويلة من التدريس والعطاء:
ـ أنا فاطمة يا ابني… فاطمة عبد الحميد… اللي درست في مدرسة النور الابتدائية لمدة خمسين سنة لحد ما طلعت المعاش من عشر سنين.
فرد الأمن سقط على ركبتيه قدامها على أرضية السوبر ماركت، وانفجر في عياط هستيري وصوت عالي، عياط واحد بينظف جرح قديم جواه، وبقى يكرر بصوت مكسور:
*ـ أنا آسف… أرجوكِ سامحيني يا ست الكل… أنا ما عرفتكيش… أنا حسام… حسام ابن الفصل السابع، سنة ألف وتسعمية وتسعين!*
الناس اللي كانت بتتفرج اتصدمت، والموقف اتقلب في ثوانٍ معدودة من حالة اتهام وهجوم إلى حالة صمت مهيب يملأه الذهول والندم.
حسام فضل قاعد على الأرض، حاطط إيديه على وشه، ودموعه نازلة بغزارة، وبيقول بصوت مرعوب وندمان:
ـ يا أستاذة… إنتِ مش فكراني؟ أنا الواد اللي كان قاعد في آخر الديسك، اللي أهلي كانوا هيفصلوني من المدرسة عشان ما كنتش بقدر أشتري كشكول الواجب، وإنتِ يا أستاذة جبتي لي الكشكول ده من جيبك الخاص، وكتبتي لي عليه بخط إيدك: “الإنسان بياخد قيمته من أخلاقه مش من فلوسه، يا حسام يا بني”. الكشكول ده هو اللي خلاني أكمل تعليمي وأتخرج… ده أنا كنت حافظ الغلاف ده صم!
أمي وطت بالراحة على حسام، وحطت إيدها الدافئة على كتفه المترعش، وقالت بصوت هادئ حنون زي طوق نجاة:
ـ فكراك يا حسام… فكراك كويس قوي. وكنت مستغربة إزاي فرد أمن في مكان محترم يمد إيده بعنف على ست عجوزة من غير ما يسمعها، بس ظني فيك ما خابش، إنت لسه قلبك طيب وجواك نفس الطفل الصادق اللي كان بيبكي في حصة العربي.
أنا وقفت في مكاني، الدموع نزلت غصب عني وأنا باصة لأمي وهي بتمسح بوعي وشه بمنديل ورقي سحبته من السلة، وكأنها في الفصل قدام طالب من طلابها مش في سوبر ماركت ممتلئ بالغرباء.
الشاب اللي كان بيصور فتح موبايله تاني، بس مش عشان يكمل تصوير الفضيحة، ده قرر يقفل الكاميرا ويمسح الفيديو تماماً، وقرب مننا وبص لأمي باحترام وقال بصوت عالي شوية عشان الكل يسمع:
ـ نعتذرلك يا ست الكل… كلنا هنا غلطنا في حقك، وأنا أولهم، ونازل بالفيديو ده مسحه حالًا قدام الكل.
مدير السوبر ماركت جه جاري على الصوت، وكان باين عليه الخوف من المشاكل، وبص لحسام وهو متعصب:
ـ في إيه يا حسام؟ إيه قلة الأدب دي؟ بتزعق للزبونة ليه؟!
حسام وقف على رجليه بصعوبة، وعينيه حمرا ومليانة دموع، وبص لمدير السوبر ماركت وقال بحسم وصوت صارم:
ـ الأستاذة دي مش زبونة عادية يا فندم… دي الإنسانة اللي لولاها بعد ربنا، كنت زماني مرمي في الشارع. وسوبر ماركت إيه اللي نغلط فيه في حق معلمة أجيال؟! أنا بقدم استقالتي حالًا، ومش هقعد دقيقة واحدة في مكان فيه شخص اتهجم على أمي وتاج راسي!
مدير السوبر ماركت بصلنا بدهشة وبص لحسام، ولما فهم القصة بسرعة، تغيّر ملامح وجهه تماماً، وتقدم ناحية أمي وانحنى باحترام شديد وهو بيقول باعتذار بالغ:
ـ يا ست الكل، السوبر ماركت كله تحت أمرك، وكل طلباتك النهارده هديّة مننا، ووسام على صدرنا إنك دخلتي مكاننا. أرجوكِ تقبلي أسفنا، وأسف حسام اللي ما كانش قصده غير الشغل الزيادة وضغط اليوم.
أمي ابتسمت ابتسامة هادئة وخفيفة، ورجعت حطت الكشكول القديم في جيبها بعناية وكأنه جوهرة، وقالت بجدية المعلمة الصارمة والقلب الأمومي الحنون:
ـ الشغل واجب يا بني، والعين على الشغل مش على الناس الكبيرة. وحسام ابني، وأنا سامحته، بس بشرط…
مدير السوبر ماركت وحسام بصوا ليها بترقب، وقالوا في نفس واحد:
ـ نؤمرينا يا أستاذة… إيه هو الشرط؟
قالت أمي وهي بتعدل مشايتها ب steadfastness:
ـ إن حسام يرجع لشغله، وما يفقدش أعصابه تاني مهما كانت الضغوط، وإن السوبر ماركت ده ما يعاملش أي عجوزة أو إنسان ضعيف بالشكل ده تاني، لأن الكبر في السن مش تهمة، والعمر اللي ضاع في خدمة البلد يستحق الاحترام مش الإهانة.
الكل صفق في السوبر ماركت بصمت محترم ومؤثر، وحسام نزل وباس إيد أمي بحب وامتنان شديد، وهي طبطبت على راسه وقالت لي:
ـ يلا يا بنتي، خلصي الحساب عشان نجيب اللبن والفاكهة اللي نستاهل نختارهم بنفسنا.
خرجنا من السوبر ماركت، وأنا ماسكة إيد أمي بكل فخر، وحاسه إن الست العجوزة دي اللي كانت بالعافية تخرج من البيت، هي أقوى وأعظم ست في الدنيا، قدرت في دقايق معدودة تحوّل الاتهام بالسرقة إلى درس في الأخلاق والإنسانية هيطير صداه في المكان كله.




