منوعات

حكايات شيمو 2

بصيت لشاشة الموبايل وأنا شايفة اسم شريف بينور ويطفى، ورجف إيدي كانت واضحة قدام ميرفت اللي مدت إيديها وضغطت على كفّي وقالت بحزم: “ردي عليه يا آية، وخليه يخلص من الوهم اللي عايش فيه”.خدت نفس عميق، وفتحت الخط، وفتحت الميكروفون وأنا حاسة ببركان غضب جواه بيمحى أي نقطة ضعف كانت عندي. صوت شريف جه من الناحية التانية مبلول بالعصبية والتبرير:— إنتِ فين يا آية؟! وقافلة تليفونك من امبارح ليه؟ وكل  اللي عملتيها في الشارع دي إيه أصلها؟ فاكرة نفسك لما ترمي الدبلة هتعملي بطلة؟ تعالي حالا عشان نقعد نتكلم زي العاقلين، واللي عملتيه ده أنا هعتبره كأن مكنش عشان خاطر سواد عيوني!

الصوت كان ماليان غرور واستعلاء، وكأنه لسه مفكرني البنت الهبلة اللي هتجري وراه وتعتذر له عشان يرضى عنها. ضحكت بصوت عالي، ضحكة مليانة قهر وسخرية، وقُلته بنبرة هادية بس واثقة:

— عاقلين؟ وايه كمان يا شريف؟ تحبني أجيب معايا فول وطعمية وإحنا قاعدين نتكلم على الرصيف، ولا نجيب عصير قصب عشان تحسبلي السكر بكام؟

سكت لحظة، حسيت بصدمته وهو بيبلع ريقه، وبعدها قال بصوت مشدود:

— إنتِ… إنتِ بتقولي إيه؟ كلام إيه ده اللي بتقوليه؟ هو أنا عشان بكلمك بمبدأ العقل وبحاول أنظم حياتنا تبقي بالشكل ده؟

قاطعته وصوتي علي وبقى حاد:

— عقل؟! تنظيم حياتنا؟! تقصد تنظيم سرقتك لحياة الناس واستغلالك لأعصابهم! تقصد مشروعك الوهمي اللي بتجمّع بيه فلوس على حساب عيالك ومراتك اللي قاعدين في شقة ميرفت دلوقتي!

الخط سكت تماماً. سكت لدرجة إني كنت سامعة صوت نفسه وهو بيلهث من الخضة. بعدها قال بصوت مرعوب ومش متزن:

— ميرفت؟! ميرفت مين؟ إنتِ بتقولي إيه يا مجنونة؟ إنتِ اتجننتي رسمي ولا حد سخنك عليّا؟

— محدش سخنني يا شريف، أنا اللي فتحت عيني، وأنا دلوقتي واقفة في بيتها، وشايفة بعيني كل حاجة… مستنداتك، وشغلك التاني، وصورة محل الدهب اللي قبل ما تتقدملي بأسبوع، والولاد اللي جعانين ومش لاقيين دواء بينما سيادتك بتجمع القروش عشان تتجوز الضحية التانية! اللعبة خلصت يا شريف، والدبلة اللي رميتها امبارح مش هترجع حتى لو الدنيا اتقلبات!

صرخ في التليفون بجنون: — إنتي هبلة؟! صدقتي الست دي؟ دي واحدة مجنونة وعايزة تخرب بيتي وبيتك! استني أنا جاي حالا!

— لو قربت خطوة ناحيتي أو ناحية البيت هنا، هبلغ عنك الشرطة  في الشركة اللي شغال فيها وفي كل مكان! انسا إن فيه واحدة اسمها آية ممكن ترضى تبص في وشك تاني، وراحت عليك تمثيلية الشاب البسيط الغلبان!

قفلت السكة في وشه، ورميت التليفون على التربيزة وأنا حاسة بنار بتطفي جوه صدري. ميرفت حضنتني وفضلت تعيط، وتقولي: “ربنا ينجيكِ يا بنتي، إنتي معرفتيش نعمة ربنا عليكي إلا لما كشفهالك على أصلها”.

نزلت من عند ميرفت، وركبت الميكروباص وأنا حاسة إن السنين اللي فاتت في عمري اتلخصت في الدرس ده. وصلت البيت، فتحت الباب، ولقيت أمي قاعدة في الصالة وشايفاني وأنا داخلة وعيوني ناشفة مفيهاش دمعة واحدة بس مليانة قوة.

قامت وقالت بقلق: — مالك يا آية؟ كنتِ فين من الصبح؟ وشريف كلمني من شوية وكان مسطول من العصبية وبيقول كلام مش مفهوم!

بصيت لأمي، وباسطت إيديها اللي كانت مستغربة وقالت: — يا ماما، الراجل اللي كنتِ شايفاه عريس لقطة، متجوز وعنده ولدين، وبيحرمهم من لقمة العيش عشان يجمع فلوس، وكنت أنا الضحية الجاية اللي هتعيش في جحيمه. امبارح كنتي بتقولي إني غلطانة عشان رميت الدبلة… تفتكري دلوقتي لسه غلطانة؟

أمي اتفتحت عينيها على آخرهم، وحطت إيديها على بؤها بصدمة وسكتت تماماً. قربت منها وحضنتها بحنان وقلت لها: — اطمني يا ماما، بنتك طلعت أشطر بكتير، وربنا نجاني في آخر لحظة. الدبلة دي مش هترجع، وحكايته معايا انتهت للأبد، والصفحة دي اتقفلت ومش هتتفتح تاني أبداً.

رجعت البيت وقلبي كان حاسس براحة غريبة، كأن جبل واتشال من على صدري. أمي فضلت قاعدة جنبي ساعات طويلة، متمسكة بإيدي وهي بتعتذلي بعيون مليانة دموع وتقولي: “حقك عليا يا بنتي، أنا كنت خايفة عليكي من كلام الناس ومن العزوبية، ومكنتش أعرف إن اللي كنتِ رافضاه ده هو نفس السكينة اللي كانت هتذبحك على سرداب البخل”. ابتسمت لها وقلت: “ولا يهمك يا ماما، كفاية إن ربنا أنقذني في آخر لحظة”.

تاني يوم، صحيت بدري، ولقيت موبايلي بينور برسايل واتساب ومكالمات فائتاً من شريف. محاولات استعطاف وتهديد مع بعض، مرة يقولي “أنا بحبك وكنت بجمع فلوس لمستقبلنا”، ومرة تانية  بإن “اللي عملتيه ده مش هيعدي بالساهل وهيخليكي تندمي”. طبعاً عملت له بلوك على طول من كل حتة، وريّحت دماغي من الصوت  ده.

بس الموضوع ماكتفاش عند كده..

بعدها بيومين، كنت قاعدة في البيت ولقيت الباب بيخبط. فتحت، وكانت الشؤون الإدارية في الشركة اللي شغال فيها شريف، ومعاهم شخص تاني طلع محامي الشركة. استغربت جداً وسألتهم: “خير؟ في حاجة أقدر أساعدكم بيها؟”

المحامي بص لي بجدية وقال: “آنسة آية؟ إحنا جايين لحضرتك بخصوص شكوى رسمية ومستندات اتقدمت للشركة ضد المهندس شريف.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى