منوعات

حكايات شيمو 2

قلت وأنا مذهولة: “شكوى إيه؟ ومستندات إيه؟ أنا فسخت خطوبتي منه ومنتهية صلتي بيه!”

قال المحامي بهدوء: “مدام ميرفت، زوجة شريف، عملت بلاغات وقدمت مستندات لإدارة الشركة بخصوص استغلال وظيفي، وتحويلات مالية مشبوهة كانت بتتم من حسابات تخص الشغل لحسابه الشخصي.. ده غير بلاغات بالنصب والاحتيال وتحصيل أموال بطرق غير مشروعة من موردين بحجة مشاريع وهمية بيعملها لحسابه الخاص بعيد عن اسم الشركة.”

حطيت إيدي على بؤي من الصدمة. يعني شريف مكنش مجرد واحد بخيل بيلقط قرشين.. ده كان ماشي في طريق كله نصب وفساد عشان يجمع ثروة بأي طريقة!

المحامي كمل كلامه وقال: “الشركة عملت تحقيق داخلي، وللأسف اتضح إن كل المستندات سليمة، وتم فصله نهائياً من شغله اليومين اللي فاتوا، واتخذت ضده الإجراءات القانونية اللازمة، والنيابة العامة بدأت تحقّق في القضايا دي كلها.. وإسم حضرتك جه في التحقيقات كشاهدة لأنك كنتِ الخطيبة المفترضة اللي فسخت الخطوبة في الوقت المناسب.”

سكت شوية وأنا بستوعب حجم المصيبة اللي شريف دخل فيها نفسه. تخليت لو كنت كملت معاه واتجوزته.. كنت هبقى شريكة في الهم والمشاكل دي كلها من غير ذنب!

قلت للمحامي بصوت ثابت: “تحتّ أمركم بأي شهادة أو حق يرضي ربنا. أنا كل اللي أقدر أقوله إني بشكر ربنا ألف مرة إني فوقت في الوقت المناسب ورفعت الدبلة من إيدي.”

مشي المحامي والمسؤولين، وبصيت لأمي اللي كانت واقفة ورامقة الموضوع بخوف وفرحة في نفس الوقت. حضنتني وقالت: “حمد لله على سلامتك يا بنتي، ربنا كان بيحبك عشان يوريكي حقيقته بدري.”

مرت الأسابيع، وشريف دخل في دوامة قضايا ومحاكم ما بين مراته الأولى وبين الشركة اللي كان شغال فيها، وانكشف أمره قدام الكل، وكل الناس اللي كانت شايفاه “عريس لقطة” بقوا يتكلموا عن حقيقته السودا.

أما أنا.. فرجعت لضحكتي، ورجعت لشغلي وحياتي، ونسيت تماماً وجع الجزمة الجديدة ومشوار عصير القصب اللي كان بداية نجاتي. بقيت كل ما أفتكر اليوم ده، أضحك وأقول لنفسي: أحياناً، المواقف الصعبة هي النور الوحيد اللي بيخلينا نشوف الحقيقة قبل ما يفوت الأوان.

الحياة رجعت لطبيعتها بهدوء، وأنا ابتديت أركز في شغلي ونفسي، ونسيت تماماً سيرة شريف والمشاكل اللي كانت حواليه. حسيت إن الصفحة دي اتقفلت للأبد، وإن ربنا عوضني بسلامة عقلي وروحي بكتير.

بس زي ما بيقولوا، الدنياما بتسيبش حد في حاله، وفي يوم وأنا قاعدة في الشغل، التليفون رن برقم غريب. كنت هعمل تجاهل كالعادة، بس إحساس غريب شدني إني أرد.

فتحت الخط، وطلع صوت راجل غريب، بس صوته كان جاد وفي نبرة رسمية:

— ألُو، آية هانم؟ معاكي المستشار فؤاد.

استغربت جداً وقلت بصوت مشدود: — أيوه، أنا آية. خير يا فندم؟ أقدر أساعد حضرتك بإيه؟

قال بهدوء: — خير إن شاء الله. أنا محامي مدام ميرفت، وفي وصية أو بالأصح أمانة مدام ميرفت طلبت مني أوصلها لحضرتك بنفسي.

قلبي دق بسرعة وسألت بقلق: — أمانة إيه؟ هي ميرفت كويسة؟ حصلها حاجة؟

تنهد وقال: — مدام ميرفت كويسة، بس شريف، بعد ما كل قضايا النصب ظهرت، والخناقات زادت في البيت، وبعد ما اترفد من الشركة واتحاصر بالديون والقضايا، هرب وسافر بره البلد بطريقة غير مشروعة.. وسايب وراه كومة مشاكل وديون للكل. بس قبل ما يهرب، ساب ورقة في البيت، وميرفت لما لقيتها شافت اسمك مكتوب فيها، وأصرت إن الأمانة دي توصلك.

قلت بصوت مرتعش: — ورقة إيه دي اللي مكتوب فيها اسمي؟

قال المحامي: — لو ينفع نتقابل في أقرب كافيه لحضرتك، أو في مكتبي، هوريكي الورقة دي وكل المستندات اللي بتثبت إزاي ربنا نجاكي من كارثة حقيقية.

وافقت فوراً، ونزلت قابلته في مكان هادي قرب مكاني. المحامي طلع ظرف وفتحه قدامي، وطلع منه ورقة مكتوبة بخط إيد شريف نفسه.

مسكت الورقة وعيني مش مصدق اللي بتشوفه. شريف كان كاتب فيها باعترافات واضحة وصريحة: إنه كان ناوي يستغلني مادياً، وإنه كان عامل خطة طويلة لسرقة اسمي وبعض أملاك أهلي بحجة شراكة في مشاريع وهمية، وإنه كان شايفني “الصيد السهل” اللي هيوافق على أي ذل عشان يكمل ثروته المريضة.

وفي آخر الورقة، كان كاتب جملة واحدة خلت دموعي تنزل من غير ما أتحكم فيها:

> “أنا خسرت كل حاجة.. مراتي، عيالي، شغلي، وفلوسي.. وكنت أستاهل، لإن الإنسان اللي يبيع أصوله وضميره عشان ورق وفلوس، ربنا بيكسره في النهاية شر كسرة.”

>

بصيت للمحامي وأنا حاسة ببرودة في جسمي من هول ما قرأت. المحامي طبطبي على إيدي وقال: — شريف دلوقتي مطلوب أمنياً، وفلوسه كلها اتحجز عليها، وميرفت بدأت صفحة جديدة مع ولادها وبتعمل إجراءات الطلاق النهائي. هي بس كانت عايزة توريكي الورقة دي عشان تعرفي إنك كنتِ أذكى بكتير من كل خططه، وأن دموعك يوم عصير القصب والخروجة السخيفة دي كانت هي طوق النجاة الحقيقي لكي.

رجعت البيت، ودخلت لأمي وأنا ماسكة الورقة في إيدي. بصيت لها وقلت: — شريف هرب.. ودي رسالته الأخيرة.

أمي قرأت الورقة، ودموعها نزلت وهي بتحضني جامد وتقولي: — الحمد لله يا بنتي.. ألف حمد والشكر ليك يا رب. إنتِ بجد بنت أصول وربنا بيحبك.

مرت سنة على القصة دي، وكل ما أفتكر الليلة اللي خلعت فيها الدبلة ورميتها على الرصيف، ببتسم وأقول لنفسي: أحياناً، المواقف القاسية هي اللي بتفتح عيوننا على الحقيقة، والوجع البسيط بيحمينا من دمار كامل. دلوقتي أنا باص قدامي، وعرفت إن الراجل الحقيقي هو اللي بيصون مشاعرك ويقدرك، مش اللي بيحسبلك كل لقمة بتكليها!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى