
خرجت من المطبخ.
ولأول مرة، حماتي شافتني قاعدة على السفرة زي أي ضيفة.
-
حكايات رشا خالد 3منذ 6 ساعات
-
حكايات رشا خالد 2منذ 6 ساعات
-
حكايات رشا خالد 1منذ 6 ساعات
-
حكايات زهره الربيع 2منذ 7 ساعات
وبدأت هي تتحرك.
لكن بعد شوية، قربت مني وقالت بغضب:
“إنتِ بتفضحيني قدام الناس؟”
رديت بهدوء:
“أنا مش بفضحك… أنا بس بطلت أدفع تمن عزومات مش بتاعتي.”
جوزي تدخل:
“خلاص يا جماعة، نجيب أكل من بره.”
بصيتله وقلت:
“من فلوس مين؟”
سكت.
حماتي قالت:
“من فلوس البيت طبعًا.”
ابتسمت وقلت:
“يبقى من فلوسنا إحنا الاتنين، مش من فلوسي لوحدي.”
لأول مرة، محدش عرف يرد.
لكن بعد ما الضيوف مشيوا، جوزي دخل عليا وقال:
“ماما زعلانة منك جدًا.”
قلت:
“وأنا زعلانة من سنين.”
وبعدين حطيت قدامه كشف المصاريف.
وقلت:
“أنا حسبت كل عزومة عملناها خلال السنتين اللي فاتوا.”
بص للورق.
وشه اتغير.
قلت:
“عارف المبلغ كام؟”
هز راسه.
قلت:
“أكتر من تمن فرش بيتنا كله… والأغرب إن أغلب الناس اللي كانت بتتعزم، أنا أصلًا معرفهمش.”
سكت ثواني.
وبعدين رفع عينه وقال:
“إنتِ بتقولي إن ماما كانت بتعمل كده عمد؟”
قبل ما أرد…
وصلته رسالة على موبايله.
كانت من حماتي.
والرسالة كانت قصيرة جدًا:
“المرة الجاية لازم نعزم عدد أكبر… عايزة أعرف هي هتقدر تستحمل لحد فين.”
خرجت الرسالة من شاشة الموبايل كأنها صفعة جمدت الهواء في الغرفة. زوجي يمسك الهاتف، عينيه معلقتين على الكلام، وملامحه تتغير تدريجيًا من الذهول إلى الصدمة الكاملة. لم أحتج لنطق كلمة واحدة؛ فالرسالة التي أرسلتها أمه بالخطأ إليه —والتي كانت تقصد بها غالبًا أخته أو إحدى صديقاتها— كانت الدليل القاطع الذي ينهي سنوات من حسن النية والتغاضي.
رفع رأسه ونظر إليّ والذهول يتآكله، ثم قال بصوت خفيض ومتردد: “دي… دي أكيد تقصد حاجة تانية، مش ممكن أمي تعزلني وتفكر كدة.”
سحبت منه الموبايل بهدوء، وأعدت قراءة الرسالة بصوت مرتضع ومستقر: “المرة الجاية لازم نعزم عدد أكبر… عايزة أعرف هي هتقدر تستحمل لحد فين.” ثم أعدت الهاتف إلى الطاولة وقلت: “الرسالة واضحة يا محمد، مش محتاجة تفسير. أمك ما كانتش بتعزم الناس حبًا فيهم ولا كرمًا منها، أمك كانت بتخوض معايا حرب استنزاف. كانت بتشوف نقطة كسري فين، لحد ما أصرخ أو أستسلم أو إفلاسي يكتمل.”
لم يجد ما يرد به. خرج من الغرفة وهو يجر قدميه، متوجهًا إلى شقة أمه في الدور الأسفل. لم أتبعه، بل جلست على مقعدي وأنا أشعر بحالة غريبة من الخفة والتحدد. السحر انقلب على الساحر، والناعمة التي كانت ترتدي ثوب البراءة والكرم أصبحت الآن مواجهة بحقيقتها أمام ابنها.
بعد نصف ساعة، سمعت أصوات صراخ شديدة قادمة من شقة حماتي. صوت محمد كان مرتفعًا لأول مرة في حياته بوجه أمه، وصوتها هي كان ينتقل بين البكاء والإنكار، ثم التحول إلى الهجوم.
“إنت بتصدق مرتك عليا؟ دي هي اللي لعبت في مخك! أنا كنت عايزه أكبر بيك قدام الناس وأقول ابن مرتاح وبيته مفتوح!”
رد محمد بصوت مزق صمت العمارة: “تكبري بيّا على حساب شقايا وشقى مراتي؟ دي كانت بتدفع من ورثها ومكافآت شغلها يا أمي! أصلًا الفلوس دي إحنا كنا بنحوشها عشان نغير العربية ونحط وديعة للبنت! إنتِ كنتِ بتستغلينا!”
انتهى الشجار بصوت باب يُغلق بقوة، وصعود محمد إلى الشقة. كان وجهه شاحبًا، وعيناه محمرتان. جلس أمامي وقال بصوت متكسر: “أنا آسف.. أنا مش عارف أقولك إيه. أنا كنت أعمى. كنت فاكر إنها مجرد طيبة زيادة وعشم قرايب، ما تخيلتش أبداً إن الموضوع فيه نية كسر وتحدي.”
نظرت إليه وقلت: “الأسف ما بيرجعش الفلوس ولا بيمسح حرق الدم، لكن المهم إحنا هنعمل إيه من هنا ورايح؟”
قال بصرامة لم أعهدها فيه: “مفيش عزومة واحدة هتدخل البيت ده تاني. ومفيش جنيه هيتدفع في بيت أمي غير المصاريف الشهريّة اللي ببعتهالها، وأنا اللي هسددلك كل المبالغ دي من شغلي، حتى لو هشتغل شغلتين.”
لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد. حماتي لم تكن امرأة تستسلم بسهولة، خاصة بعد أن شعرت أن هيمنتها على ابنها قد اهتزت، وأن كبرياءها قد جُرح بعد كشف ملعوبها.
في اليوم التالي، بدأت الحرب الباردة. أرسلت حماتي أخت محمد الكبرى إلى منزلنا. دخلت الأخت وعلى وجهها علامات الغضب والوعيد، ولم تكد تجلس حتى بدأت بالهجوم: “إيه اللي عملتيه ده يا هانم؟ جرجرتِ أخويا وجاي يصرخ في وش أمه عشان عزومة وكام كيلو لحمة؟ هو ده أصلك؟ تتحسبي على اللقمة وتعملي مشكلة بين الراجل وأمه؟”
كنت أقف في المطبخ أعد القهوة، فخرجت إليها بكل ثبات، وأمسكت بملف المصاريف الذي أعددته سابقًا، ورميته على الطاولة أمامها.

