
“فاكر يا إبراهيم يوم ما رمت الشنط على السلم وقلت لي: (أنا ما ضربتكيش على إيدك عشان تسافري.. وأنا سددت لك خدماتك)؟ أديني أنا النهاردة بسدد لك خدماتك.. الخمس سنين دول هتقضيهم جوة عشان تفكر في كل درهم أكلته حرام، وفي كل ليلة نمت فيها مرتاح وأنا بطحن نفسي في الغربة. البداية مكنتش عندك.. والنهاردة أنت بتشوف نهايتك بإيدك”.
لفيت ضهري ومشيت، وسائقي الحراسة بياخدوه للترحيلات وهو بيصرخ باسمي.
-
حكايات اسما السيد 2منذ ساعتين
-
حكايات منى السيد 2منذ يومين
-
حكايات منى السيد1منذ يومين
-
مدرسة حكايات رومانى مكرم 1منذ يومين
خرجت من المحكمة للهواء الطلق.. الشمس كانت ساطعة، وأنا حاسة إني اتولدت من جديد. رجعت العمارة، بس المرة دي مش عشان أقعد أبكي.. كان معايا مهندس ديكور وعمال. بدأت أهد الشقة اللي كانت قاعدة فيها بوسي، أغير كل قطعة عفش، أغير الدهانات، وأحول العمارة بالكامل لمشروع استثماري راقي؛ أأجر الشقق لشركات ومكاتب كبيرة، وأخلي اسمها “عمارة شيماء”.
لكن القصة مكنتش لسة انتهت.. إبراهيم جوة السجن مكنش يسكت، وبوسي برة كانت بتدبر لمكيدة جديدة عشان تطلع بأي قرش من المولد، وأهل إبراهيم بدأوا يخططوا للانتقام مني بطريقة قذرة.. طريقة كانوا فاكرين إنها هتهدني وتكسر سميعتي قدام الناس والمدرسة اللي بشتغل فيها.
وقفت في بلكونة شقتي الجديدة، باصة للشارع وللعمارة اللي بقت ملكي الخالص، وأنا عارفة إن الحرب لسة مخلصتش.. لكن شيماء بتاعة زمان اللي كانت بتبكي وتسلم أمرها، ماتت واندفنت يوم السلم.. وشيماء الجديدة جاهزة لكل ضربة تجيلها، وستردها الصاع صاعين.
الجزء الخامس والأخير
وقفت في بلكونة العمارة، بطلّ على الشارع اللي شهد انكساري يوم ما رجعت من السفر، بس المرة دي كنت باصة له وأنا مالكة المكان ومالكة أمري. العمارة اتقفلت بالكامل، الدهانات اتغيرت، واللوحة الرخام الجديدة على البوابة اتركبت بصريح الخط: “عمارة شيماء”.
لكن أهل إبراهيم، ومعاهم بوسي، كانوا وصلوا لمرحلة من الفلس والغل تخلي العقل يطير. بعد ما إبراهيم اتسجن خمس سنين وبقت أحكامه نفاذ، حسّوا إن كل حاجة راحت من إيديهم. بوسي كانت اتطلقت منه بحكم محكمة بعد ما أتأكدت إنه مش هينفعها بنص جنيه، وأهله بقوا مطرودين من المنطقة هرباً من ديون المقاولين وشيكات إبراهيم اللي ملهاش رصيد.
في يوم، وأنا طالعة مدرستي الصبح، اتفاجأت بـ “بوسي” واقفة قدام باب المدرسة، ومعاها اثنين من بلطجية المنطقة وأم إبراهيم! أول ما شافوني، بوسي بدأت تصرخ بصوت عالي وتلم الناس وأولياء الأمور:
* “اهي يا ناس! المدرسّة الشريفة العفيفة اللي حبست جوزها واستولت على شقته وعمارته بتزوير الورق! اهي اللي رميت حماتها في الشارع وخدت شقى الراجل!”
الناس بدأت تتجمع، وبعض مدرسين المدرسة خرجوا على الصوت. أم إبراهيم قعدت على الأرض وتمثل البكاء والندب: “حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيماء! كلتي مال ابني وحبستيه وخربتي بيته!”
في اللحظة دي، أي واحدة ثانية كانت ممكن تتلخبط أو تجري تستخبى من الفضيحة، بس شيماء بتاعة زمان خلاص ماتت. وقفت بكل ثبات، طلعت تلفوني الهوائي، وفتحت المايك على السبيكر، وبصيت لبوسي ولأم إبراهيم بنظرة ثلجية.
قلت بصوت جهوري يسمعه الشارع كله:
* “خلصتم تمثيلية الشحاتة والرخص دي ولا لسة؟! عاوزين تفضحوني قدام مدرستي والناس؟ الناس دول كلهم عارفين القضاء المصري قال إيه! الحكم الصادر من محكمة الجنايات برقم 4580 موجود، وتقارير خبراء وزارة العدل موجودة، وكل الناس هنا عارفة مين اللي اتغرب أربع سنين في دبي ومين اللي كان بياكل شقايا ودم قلبي وعامله لي فتوة!”
التفتّ للناس ولأولياء الأمور وقدمت لهم صور التحويلات البنكية وحكم المحكمة النهائيات اللي كنت شايلاهم في شنطتي تحسباً لنذالتهم:
* “الست دي (شأرت على بوسي) اتجوزت إبراهيم بشقايا وفلوسي وشاركت في طردي على السلم! ولما اتسجن وأتفلس، جرت رفعت عليه قضية طلاق ونفقة! والست دي (شأرت على أمه) كانت بتقبض التحويلات معايا شهرياً وتدعمني بالكدب لحد ما أبعت دفعة الأسمنت! ودلوقتي جايين يتبكوا قدام المدرسة عشان يبتزوني بأي قرش!”
الناس في الشارع بدأوا يتهامسوا، وبعض أولياء الأمور والشباب في المنطقة اللي عارفين القصة من أولها اتدخلوا، وواحد من كبار المنطقة زعق فيهم: “جرى إيه يا ولية أنتِ وهي؟! المحكمة حسمت الموضوع والبلد فيها قانون! اركبوا على أهاليكم بدل ما نطلب لكم النجدة بتهمة التجمهر والتشهير بمدرسّة محترمة!”
في ثواني، المحامي الأستاذ مصطفى كان وصل رفقة قوة من قسم الشرطة بناءً على البلاغ الفوري اللي طلبته وأنا طالعة من البوابة. المحضر اتعمل في ساعتها: (محاولة ابتزاز، وتجمهر، وتشهير في حرم مؤسسة تعليمية).
بوسي أول ما شافت أفراد الشرطة، طارت هربانة في الشوارع الجانبية وسابت أم إبراهيم لوحدها، اللي قعدت تترجى الظابط والمحامي عشان ما ياخدوهاش القسم!
بصيت لأمه وقلت لها: “أنا مش هحبسك زي ابنك يا خالة.. عشان بس كبر سنك، وعشان أثبت لك إن الفرق بيني وبينكم هو فرق أصل ونظافة. بس لو رجلك أو رجل بوسي عتبت الشارع ده تاني، الحكم الجاهز بالتشهير هينفذ فوراً”.
مشيت أمه وهي بتجر رجليها في الخزي، وبوسي اختفت من المنطقة خالص بعد ما أدركت إن أي محاولة لابتزازي هتدفع ثمنها من حريتها.
مرت السنون كأنها ثواني..
بعد سنتين كاملين، العمارة بقت واحدة من أرقى العمارات الاستثمارية في المنطقة، شققي تأجرت لمكاتب هادئة وشركات، ودخلي الشهرى بقيت أديره بنفسي وبدأت أستثمر في مشروع خاص بي لتدريب وتأهيل المدرسين. رجعت لكرامتي، لصحتي، ولضحكتي اللي كانت الغربة وقسوة إبراهيم طفوها.
وفي يوم جمعة مشمس، كنت واقفة في معمار العمارة بنشرف على الصيانة، جالي أخويا أحمد وقال لي بصوت واطي: “شيماء.. إبراهيم خرج النهاردة عفو شرطي لسوء حالته الصحية ومسيرته جوة.. وهو واقف رأس الشارع، خايف يربّس ومش قادر يخطو خطوة ناحية العمارة”.
بصيت لآتي الشارع.. شفت شخص انحنى ضهره، لابس هدوم قديمة ومبهدلة، وشه بقى عبارة عن تجاعيد وانكسار، واقف بعيد يبص للعمارة اللي كان فاكر إنه استولى عليها، يمسح دموعه بإيده المرتعشة، ومش متجرئ حتى يمشى في الشارع اللي اتفضح فيه.
ما خرجتش أكلمه، ولا شتمته، ولا شممت فيه.. لأن الشماتة رخيصة، والحق لما بيرجع بيبقى أرفع من أي كلام.
بصيت له من بعيد، وبعدين أديت ضهري للشارع، ودخلت بوابة العمارة، وقفلت الباب الرخام الكبير ورايا.. الباب اللي اتقفل في وشي زمان لما كنت ضعيفة ومكسورة، اتقفل النهاردة وأنا داخلة بيتي، وعزتي، وحياتي الجديدة اللي بنيتها بإيدي.
الدنيا دارت، والظالم حصد اللي زرعه، والنهاية مكنتش بس إن الحق رجع.. النهاية كانت إن شيماء عرفت قيمة نفسها، وشالت من قلبها أي أثر لخائن، وبدأت تعيش الحياة اللي تستحقها فعلاً.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”






