عام

6 سنين حكايات رومانى مكرم 1

وقفت في صالة العيادة وربنا وحده يعلم باللي كان بيجرى في دماغي. الثواني كانت بتمر عليا كأنها سنين، وشريط الست سنين اللي فاتوا كلهم بيتعرض قدام عيني في لحظة. افتكرت هناء وهي بتلف على الدكاترة، افتكرت كلامهم القاسي لما قالولها “الأمل ضعيف جداً والصعوبة كبيرة”، افتكرت دموعها المكتومة ونظرات الحسرة في عينيها كل ما تشوف طفل صغير.

خرج الدكتور من أوضة الكشف ووشه مفيش عليه أي ملامح تفصح عن حاجة، بصلتي وهز رأسه ببطء وهو بيعدل نظارته، وقالي بنبرة هادية بس فيها مفاجأة هزت أركاني: “ألف مبروك يا مدام.. المدام هناء حامل في الشهر التاني، والبيبي وضعه مستقر، بس الهبوط ده بسبب سوء التغذية والضغط النفسي الشديد اللي مرت بيه الفترة اللي فاتت”.

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. حامل؟ هناء؟ بعد ست سنين صبر وجلد وكسرة قلب؟ بعد ما أحمد يئس وباع وأتجوز غيرها؟ دموعي نزلت بغزارة مكنتش قادرة أوقفها، سجدت على أرض العيادة وأنا بحمد ربنا وببكي بصوت مسموع. صرخة الفرحة كانت خنقاني. دخلت الأوضة أجرى عليها، لقيتها قاعدة على السرير، بتعيط بانهيار، بس المرادي مكنتش دموع قهرة.. كانت دموع زهول وصدمة.

مسكت إيدها وبوستها وأنا بصرخ بصوت واطي من الفرحة: “حامل يا هناء! ربنا جبر بخاطرك يا حبيبتي، ربنا مابينساش حد! الست سنين تعبك وصبرك مضعوش هدر!”.

هناء كانت بتبصلي وهي مش مصدقة، حاطة إيدها على  وبترتعش: “حامل؟ بجد يا مروة؟ يعني أنا مش بحلم؟ ربنا رزقني من غير ما أدخل في سكة حقن ولا عمليات؟ دكاترة الدنيا قالوا صعب، وربنا قال كن فيكون؟”.

في اللحظة دي، أول حاجة جت في بالي هي أحمد. عُقلي طار.. أحمد اللي راح اتجوز وباع عشان كلمة “عايز أشوف عيالي”، أحمد اللي ساب الجوهرة اللي كانت صايناه وركض ورا شهوته ورغبته تحت مسمى الشرع والحق. مسكت التليفون وإيدي بترتعش، كنت عايزة أكلمه وأصرخ في وشه، أقوله تعال شوف ربنا رد اعتبارها إزاي! تعال شوف الست اللي سبتها عشان مابتخلفش، ربنا جبر بخاطرك وبخاطرها وهي بعيدة عنك وفي بيتي!

بس هناء مسكت إيدي بسرعة وقوة، وبصتلي بعينين فيها نظرة غريبة جداً.. مكنتش نظرة ضعف، كانت بداية تحول جديد في شخصيتها، وقالتلي بصوت حاسم ومبحوح: “لا يا مروة.. أوعي تتصلي بيه. أوعي تقوليله حرف واحد”.

استغربت وبصلتها بذهول: “إنتِ بتقولي إيه يا هناء؟ ده جوزك! ده أبوه! ده كان حلم عمره، لازم يعرف إن ربنا رزقكم!”.

هناء ابتسمت ابتسامة وجع، مسحت دموعها وقعدت بصلابة مكنتش شوفتها فيها قبل كده: “أحمد باعني في اللحظة اللي كنت محتاجة إيده تطبطب عليا. اتجوز عليا وعمل عزومة وفرح وأنا قلبي بيبكي دم. قالي ماليش في سكة الدكاترة والتعب واستخصر فيا المحاولة. أحمد فاكر إن الأطفال بتمشي بالطلب، وميعرفش إن إرادة ربنا هي اللي بتمشي. ابن ده.. مش هيعرف عنه حاجة دلوقتي خالص. أنا مش هبقى كارت كسبان في إيده يرجع بيه يتفشخر قدام مراته الجديدة ولا يرجعلي عشان أضمنله العيل. هو اختار طريقه، وأنا ربنا جبر بخاطري بعيد عنه”.

حاولت أقنعها: “بس ده حقه يا هناء، والبطن لما تكبر الكل هيعرف، وأحمد بييجي كل كام يوم يتطمن عليكي خلسة عشان ضميره!”.

ردت بقوة: “يتطمن عشان يتخفف من ذنبه يا مروة! ييجي يرمي كلمتين ويمشي لبيته الجديد ومراته الجديدة. لما البطن تكبر يحلها ألف حلال، بس حالياً أحمد مش هيعرف.. أنا عايزة أعيش الحمل ده في هدوء، خايفة من نكادته وخايفة من مراته الجديدة ومن المشاكل اللي هتصنعها لما تعرف. سيبيني ألم عضامي وأفرح بابني بعيد عن قرفته”.

رضخت لرغبتها لأنها كانت فعلاً في حالة نفسية محتاجة الهدوء، وخرجنا من العيادة ورجعنا البيت. الأيام اللي بعد الكشف كانت عبارة عن حظر تجول في بيتي. عيالي كانوا طايرين بالموضوع، وبقوا يتعاملوا مع هناء كأنها بلورة إزاز خايفين تتكسر. يحطوا المخدات ورائها، ويحضروا الأكل معاها، والضحكة اللي كانت غايبة عن البيت من سنين رجعت تاني، بس المرادي ضحكة أمل صافي.

في نفس الوقت، أحمد كان عايش في بيته البعيد، بس الأمور عنده مكنتش وردية زي ما كان فاكر. العروسة الجديدة اللي اشترطت بيت بعيد وشقة لوحدها، بدأت تظهر على حقيقتها. الطلبات مابتخلصش، التحكمات زادت، والنكد بقى هو الوجبة الرئيسية. أحمد بدأ يحس إن الهدوء والأصل اللي كان عايش فيه مع هناء ميتعوضش بفلوس الدنيا، وبدأ يحس بالندم يأكل في قلبه، بس كبرياء الراجل كان مانعه يعترف.

بعد أسبوعين من معرفتنا بالحمل، أحمد جه يزورنا في البيت. كان وشه باين عليه التعب والهم، ودخل وهو بيحاول يبان طبيعي.

قعد في الصالة ونادى عليا: “إيه يا مروة.. عاملة إيه؟ وهناء عاملة إيه؟”.

خرجتله وأنا ماسكة نفسي بالعافية، جوايا نار وعايزة أقوله “الخير كله عندنا”، بس افتكرت وعدي لـ هناء.

قلتله ببرود: “إحنا بخير يا أحمد.. الحمد لله، كل حاجة تمام”.

في اللحظة دي، خرجت هناء من أوضتها. كانت لابسة عباية واسعة وشال، وشها كان منور بنور غريب، نور الحوامل اللي ربنا بيكسيهم بيه، بس في نفس الوقت كان في عينيها جمود رهيب ناحيته.

أحمد أول ما شافها، وقف تلقائياً. بصلها بشوق وندم باينين في عينيه، وقال بصوت واطي: “إزيك يا هناء.. عاملك إيه؟ حاسس إنك خاسيت وشك أصفر.. إنتِ تعبانة يا حبيبتي؟”.

كلمة “حبيبتي” خرجت منه كأنها سهم طالع في الوقت الغلط. هناء بصتله بثبات وقالت ببرود يقطع العرق ويسيح الدم: “الحمد لله يا أحمد.. أنا في أحسن حال، وزي الفل”.

أحمد قرب خطوة وقال بنبرة انكسار: “هناء.. أنا عارف إنك زعلانة، وعارف إني جيت عليكِ.. بس والله العظيم إنتِ في قلبي، أنا عمري ما حبيت ولا هحب غيرك. الشقة هناك خرم إبرة من غيرك، والنكد والطلبات جننتني.. أنا مستعد أرجعلك كل حقوقك وأجيلك هنا كل يوم، بس سامحيني.. أنا كان نفسي في طفل يشيل اسمي، وده حقي”.

هناء ضحكت ضحكة هادية فيها كمية وجع وسخرية تهز جبال: “حقك؟ ماشي يا أحمد.. حقك. بس الحق برضه إنك لما تحب حد، تشيل معاه الشيلة للاخر، مش تبيعه عند أول مطبق وتجري تدور على أسهل حل. إنت اخترت حلمك واستخصرت فيا حتى محاولة دكتور، اخترت تكسرني قدام الدنيا عشان متتعبش. ودلوقتي جاي تقول حبيبك؟ اللي بيحب ما بيذبحش يا ابن أصول”.

أحمد اتوتر ووشه جاب ألوان: “يا هناء افهمي.. الدكاترة قالوا مفيش أمل! هنعمل إيه؟ نفضل عايشين على الوهم؟”.

هناء قربت منه، وقفت قدامه بثبات وقالتله وهي بتبص في عينيه مباشرة: “الدكاترة بشر يا أحمد.. والدكاترة مبيحكموش في ملك ربنا. لو كان عندك يقين واحد في المية إن ربنا رحيم، مكنتش استعجلت وقدمت رجلك على الكسرة دي. بس إنت استعجلت.. وعجولتك دي هي اللي هتخليك تبص لورا طول عمرك وتقول يا ريتني صبرت”.

أحمد حس بإن في سر ورا كلامها، ملامح وشه اتغيرت وبدأ يشك في نبرتها القوية: “قصدك إيه يا هناء؟ كلامك ده معناه إيه؟ إنتِ مخبية عليا حاجة؟ إنتِ رحتي لدكاترة تانيين من ورايا؟”.

تداخلت أنا بسرعة عشان أنهي الحوار قبل ما يتطور: “خلاص يا أحمد! البنت تعبانة ومش حمل كلام ونقاشات مالهاش لازمة. إنت اخترت طريقك وجوزت وعشت حياتك، سيبها هي كمان تهدا وتعيش حياتها بعيد عن الضغط”.

أحمد بصلنا إحنا الاتنين والشك بياكل في قلبه. يقلب عينيه بيني وبين هناء، مش قادر يمسك إثبات بس حاسس إن في حاجة كبيرة بتتغير في البيت ده. وقف وقالك وهو بيحاول يسترد هيبته: “أنا ماشي دلوقتي.. بس أنا راجع تاني يا هناء. وإنتِ لسه مراتي وعلى ذمتي، ومش هسيبك تضيعي مني حتى لو إنتِ عايزة ده”.

خرج أحمد وقفل الباب وراه بحدة، وفي اللحظة اللي قفل فيها الباب، هناء اتنفست الصعداء وقعدت على الكرسي.

بصلتي وقالت: “شفوقته يا مروة؟ شايفاه ندمان إزاي من قبل ما يعرف؟ شايفاه جلي إزاي أول ما حس إن عيشته الجديدة طلعت جحيم؟ أحمد مكنش يدور على عيال وبس.. أحمد كان فاكر إن الجوازة التانية هي الجنة، ولما لقيها شقاء، افتكرني”.

مرت الأيام، والحمل بدأ يبان على هناء. دخلت في الشهر التالت، وبدأت ملامح التعب تروح ويحل محلها صحة ونضارة. والأخبار بدأت تتسرب في البيت الكبير عند أهلنا. أمي لاحظت إن هناء مبتخرجش من بيتي، وإن أنا بجيب أكل معين وبراعيها زي الحامل، وبدأت الشكوك تزيد عند الكل.

وفي يوم، العروسة الجديدة بتعت أحمد عرفت إن أحمد بيتردد على بيتي كتير وإن هناء مقيمة معايا ومبتسردش تروح لأهلها. شاطت وغضبت وقامت القيامة، وجت مع أحمد لحد باب بيتي وهي ناوية تعمل مشكلة وتفرض سيطرتها.

الباب خبط بقوة غير طبيعية. فتحت الباب ولقيت أحمد واقف ومراته الجديدة واقفة جنبه، وشها مليان غل وتحدي.

قالت بقلة أدب وهي بتحاول تزق الباب وتدخل: “وسعوا كده! إحنا جايين نشوف الست اللي قاعدة هنا ومطلعة جوزي من بيته وبتقلب دماغه علينا!”.

هناء كانت قائمة من جوه، خرجت من الأوضة بكل هدوء وثبات، ولابسة فستان هادي وبطنر بدأ يبان فيها بروز بسيط جداً بس واضح للي يدقق. وقفت في الصالة وبصت لمراته الجديدة ومن بعدها لأحمد، اللي أول ما عينه جت على هيئة هناء وعلى البروز الصغير في بطنها، رجليه مكنتش شايلاه، وعينيه وسعت برعب وذهول لا يوصف.

العروسة الجديدة لمحت المنظر، وسكتت فجأة وكأن صاعقة نزلت عليها، وبصت لأحمد وبعدين لـ هناء..

وأحمد اتقدم خطوة وصوته بيرتعش كأنه مش مصدق عينيه: “هناء… إنتِ… إنتِ …؟”.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى