عام

حكايات زهره الربيع 3

ألقت الشرطة  على السائق، ومع تضييق  عليه في التحقيقات، انهار واعترف تقديراً لمنع تورطه في جناية حريق عمد وتشكيل عصابي، وأقر بأن العم توفيق هو من دفع لهما مبالغ مالية ضخمة  المحل وترهيب أدهم حتى يوقع على التنازل عن أرض الصعيد.

صدر أمر استدعاء وضبط وإحضار عاجل ضد العم توفيق. لكن الرجل، ببغيه ومكره، كان قد أعد خطة بديلة  قبل أن تطوقه الشرطة. استغل ثروته المتبقية ونفوذه ليختفي عن الأنظار في إحدى شقق شبكات التهريب على أطراف القاهرة، وأرسل إلينا تهديداً جديداً عبر وسيط قانوني: إما أن يتنازل أدهم عن محضر الحريق وعن قضايا طعن التزوير في أرض الصعيد، أو أن الحرب ستنتقل إلى مسار لن نتحمله جميعاً!

مقالات ذات صلة

أدهم رفض المساومة جملة وتفصيلاً، وأكد للمحامي والنيابة أنه مستمر في القضية حتى النهاية. وفي هذه الأثناء، ظهرت تطورات لم تكن في الحسبان؛ تقرير الخبراء في الطب الشرعي وأبحاث التزييف والتزوير جاء قاطعاً ليؤكد أن عقد البيع الابتدائي الذي قدمه العم توفيق مزمور ومصنوع حديثاً، وأن التوقيع المنسوب لوالد أدهم مزيف ولا يمت له بصلة. وبناءً عليه، أصدرت المحكمة حكماً بطلان العقد، وبثبوت ملكية الأرض الشرعية للأولاد سامر ونادر، مع فرض حراسة قضائية لحمايتها.

تلقينا الخبر بفرحة عارمة ودموع ارتياح، وشعرنا أن العدل بدأ يأخذ مجراه، وأن حق الولاد أصلح محصناً بالقانون. لكن العم توفيق، بعد أن أغلقت في وجهه كل المنافذ وتأكد أن  بات قوسين أو أدنى وأن حلمه بالاستيلاء على الملايين قد تبدد تماماً، جن جنونه وخرج عن طوره.

في يوم رمادي، خرجت من البيت متجهة إلى مدرسة الولاد لإحضارهما، وكان أدهم يتابع مع المحامي إجراءات القضية في المحكمة. عند عودتي بالولدين وأنا أمسك بإيديهما بحرص، وفور دخولنا مدخل العمارة، تفاجأت بشخص يرتدي ملابس رثة ويضع قبعة تغطي وجهه يقف في الظلام خلف السلم.

قبل أن أتمكن من الصراخ، خرج الشخص من الظل، ليتضح أنه العم توفيق نفسه! كان وجهه شاحباً، وعيناه غائرتين مليئتين بالشر والجنون، ويحمل في إيده زجاجة حارقة ومشرطاً حاداً.

صرخ في وجهي بصوت مرعب يخالطه الهستيريا: “فاكرة إنكم كسبتم المزاد يا وفاء؟! فاكرة إنكم هتاخدوا الملايين وأنا أدخل السجن؟! لو مش هنسعد بالفلوس دي، يبقى محدش هيتهنى بيها!”

اندفع نحو نادر بيده التي تحمل ، في محاولة مجنونة للانتقام منا في أعز ما نملك! في تلك اللحظة الفارقة، لم أفكر في حياتي ولا في نفسي.. ألقيت بجسدي بينه وبين نادر، وأمسكت بيده بكل ما أوتيت من قوة وأنا أصرخ بأعلى صوتي ليسمعني الجيران: “الحقوني يا ناس! حرامي! الحرامي  الولاد!”

اشتبكت معه  على الأرض،  إيدي بجرح عميق، لكنني لم أطلق يده وظللت متمسكة به وأنا أحمي الولاد بجسدي. تعالت صيحات سامر ونادر بالبكاء والصراخ، وعلى أثر الصوت المرتفع، نزل سكان العمارة بكرادوس يركضون، وباشر بائع المحل المجاور بالدخول ومعه بعض الشباب.

تمكن الجيران من السيطرة على العم توفيق وتجريده من  وتكبيله على الأرض قبل أن  الولاد، واتصلوا فوراً بالشرطة والإسعاف.

وصل أدهم يركض كالمجنون إلى العمارة بعد أن أخبره الجيران بالهاتف، ودخل المدخل ليجدني وأنا أحتضن سامر ونادر، بينما العم توفيق مكبل ورجال الشرطة يقتادونه إلى سيارة الترحيلات. انقبض قلب أدهم واحتضننا جميعاً وهو يبكي بحرقة، متفقداً جراحي والولاد.

نُقلت إلى المستشفى وتم تضميد ، وأكد الأطباء أن الإصابة سطحية ولن تترك أثراً كبيراً. وهناك في المستشفى، وقف أدهم بجانبي، يمسك إيدي بدموع امتنان وارتياح، وقال: “أنقذتي ولادنا يا وفاء.. أنتي البطلة الحقيقية للبيت ده.”

أُلقي القبض على العم توفيق متلبساً بمحاولة القتل والتعدي العمد، واجتمعت عليه قضايا التزوير،  العمد، والهروب من العدالة، ليواجه مصيراً مظلماً   يقضي فيه بقية حياته جراء طمعه وشروره.

الآن، وبعد أن  كل الأقنعة، وانتهت كوابيس الحماة والضرة،  العم الطامع، وعدنا إلى بيتنا والهدوء يلف حياتنا، أصبحت الأرض ملكاً خالصاً لولدينا، وأصبح أدهم سنداً حقيقياً يحميني ويحمي بيته. لكن السؤال الذي كان يشغل بالي وأنا أنظر لسامر ونادر وهما يلعبان في سلام: هل أغلقت أبواب القدر على هذه النهاية، أم أن الحياة تخبئ لنا الفصل الأخير والختام الذي سنرسم فيه معلم مستقبلنا الجديد بكل نضج وأمل؟

مرت السنين سريعة كالنسيم بعد تلك الليلة الفاصلة التي انتهت فيها حكاية العم توفيق خلف أسوار ، ليدفع ثمن طمعه وجشعه بفرض العقوبة العادلة عليه. وبدأت معالم حياتنا تتغير جذرياً؛ لم تعد القضايا ولا المحاكم ولا  الميراث ، وأصبحت أرض الصعيد ملكاً خالصاً ومسجلة رسمياً باسم سامر ونادر تحت إشراف وحراسة قانونية تضمن حقوقهما حتى يبلغا السن الأهلية.

أدهم نجح بالتعويض المالي الذي حصل عليه وبالدعم القانوني في إعادة بناء محله وتوسيعه، ليتحول من محل صغير لقطع الغيار إلى شركة تجارية مرموقة لستورد وتوزع للمحلات الكبرى. لم يعد أدهم ذلك الزوج المتردد الذي يخشى المواجهة، بل أصبح السند الحقيقي والدرع  الذي يحمي بيته وأسرته بكل حكمة وقوة.

أما أنا، فكنت أنظر للولدين وهما يكبران أمام عيني يوماً بعد يوم، وقد أتما عامهما الثامن عشر، ودخلا المرحلة الجامعية؛ سامر اختار دراسة الهندسة المعمارية ليبني ويشيد، ونادر اختار دراسة الحقوق ليصبح محامياً يدافع عن  ولا يسمح للباطل أن يمس أحداً كما حدث معنا في الماضي.

في يوم حفل تخرجهما من الثانوية العامة وبداية مرحلتهما الجديدة، أقمنا احتفالاً صغيراً في منزلنا الجديد الواسع الذي أثثناه بالحب والهدوء. وقفت في البلكونة أراقب غروب الشمس، وأسترجع شريط حياتي منذ اليوم الأول الذي دخلت فيه بيت حماتي؛ يوم أن قيل لي “انتي ولد  ولد”، ويوم أن عشت رعب المصيف وضياع نادر، ويوم أن واجهنا تزوير العقد وحريق المحل والمشرط في مدخل العمارة.

اقترب أدهم مني، وضع يده على كتفي بآمان وقال بنبرة ملؤها الامتنان: “بتفكري في إيه يا وفاء؟”

التفت إليه وابتسمت والدموع تتجمع في عيني، لكنها هذه المرة لم تكن دموع خوف ولا قهر، بل كانت دموع فرح وارتياح، وقولتله: “بفكر في كرم ربنا يا أدهم.. بفتكر إزاي كل شدة وكل دعوة شر اتردت على أصحابها، وإزاي ربنا جبر  وصان عيالنا وخلى صبرنا ينتهي بفرج كبير.”

أدهم مسك إيدي وبص للولاد وهما بيضحكوا في الصالة وبيخططوا لمستقبلهم، وقال: “أنقذتي البيت ده بشجاعتك وصبرك يا وفاء.. لولا تمسكك بيهم وإيمانك، كنا ضيعنا في وسط الغل والطمع.”

في تلك اللحظة، شعرت أن دائرة الخوف قد أغلقت إلى الأبد، وأن السنين العجاف قد انقضت دون رجعة. سماح عاشت حياتها في هدوء بعد أن تزوجت ورزقها الله بطفلة، وحماتي والعم توفيق صاروا في طي الماضي والجزاء العادل، وأنا استرددت أنفاسي وأمومتي كاملة غير منقوصة.

جلست بين أدهم وسامر ونادر، وأنا  وأشعر بدفء النجاح الحقيقي؛ النجاح ليس في الملايين ولا في الأملاك، بل في أن تحمي من تحب، وأن تخرج من ظلمات الظلم والأنانيات مرفوع الرأس، لتبدأ حياة جديدة ملؤها السلام والأمل والمستقبل المشرق.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى