عام

حكايات امانى السيد 1

الصمت حل على البيت كله، بابا رفع راسه بفزع، وأمي برقت بيا وهي بتصرخ بصوت واطي: “اسكتي يا بت أنتِ جنيتي؟!”.

كملت وأنا بصنع مواجهة صريحة مع العريس وأهله اللي كانوا واقفين وراه مصدومين من جراءتي: “أنت جاي فاكر إنك بالقرشين بتوعك هتدخل البيوت وتكسر نفوس الناس؟ فاكر إن أختي أو أنا ممكن نكون مجرد واجهة تتباهى بيها قدام ناسك عشان تعوض نقص جواك؟ أنت لو كان عندك ألف جنيه أو ألف مليون، فأنت أفقر إنسان شفته في حياتي، لأنك معندكش ريحة الأدب ولا احترام المشاعر.. وأنا لو أموت من الفقر، مش هتشرف بيك ولا بأمثالك في بيتنا!”.

العريس وشها اتغير، معالم الغضب والغيظ غطت ملامحه، وشه بقى أحمر وجسمه بدأ يترعش وهو بيحاول يمسك في ذراع الكرسي بقوة.. الشاب اللي بيذق الكرسي حاول يهديه وهو بيهمسله، لكن العريس زق إيد الشاب بقسوة وبصلي بقلة حيلة ممزوجة بشر، وقال وهو بيجز على أسنانه: “أنتِ بتكلميني أنا كدة؟ أنتِ عارفة أنا مين وممكن أعمل إيه فيكم وفي بيتكم ده بكلمة واحدة؟”.

قربت خطوة كمان وقلتله ببرود قاتل: “اعمل اللي تقدر عليه.. أعلى ما في خيلك أركبه.. والبيت ده لو فقر، ففيه كرامة أنا مش هسمح لأمي ولا لأبويا يبيعوها عشانك.. مع السلامة، باب بيتنا مقفول في وشك ووش فلوسك”.

أمي هجمت عليا وكانت لسه هترفع إيدها تضربني قدامهم، لكن العريس رفع إيده بحدة وقال بصوت خشن: “سبيها يا مدام! سبيها تتكلم براحتها.. أنتِ فاكرة إنك كدة كسرتيني؟”. لفت نظره ناحية أختي المرعوبة اللي كانت بتعيط في الزاوية، وبعدين بص لأمي وقدم ابتسامة خبيثة ومسمومة وقال: “أنا مش هخرج من البيت ده إلا وأنا كاتب كتابي على أختها اللي اخترتها.. والشرط اللي هتطلبوه من فلوس ومهر هيدبل.. وأنتِ يا حلوة…”، بصلي بنظرة كلها انتقام، “… هتشوفي بعينك إزاي أختك هتعيش في عز، وأنتِ هتفضلي هتاكلي في نفسك من الندم والفقر في الصفيحة دي!”.

الابتسامة المسمومة اللي كانت على وشه النظرة اللي بتتوعدني بالانتقام خلت الصالة تتكهرب أكتر. أمي أول ما سمعت جملة “المهر هيدبل” ملامح الغضب اللي كانت على وشها اتمسحت في ثواني، ودخل مكانها جشع أعمى خلى عينيها تلمع بشكل يخوف.. بصت لأختي اللي كانت بتبكي وبتترعش، وبعدين بصت للعريس وقالت بسرعة كأنها خايفة يتراجع في كلامه: “موافقين يا بيه! موافقين والبركة فيك.. البنت جاهزة ومطواعة وتعرف الأصول، والفضيلة دي اللي وقفت تتطاول عليك حسابها معايا بعدين!”.

أبويا كان واقف زي الشاهد الأطرش في المولد، ملامحه كانت بتعبر عن كسرة ونفس مكسورة، بس خوفه من أمي وسطوتها، مع ضعفه قدام الإغراءات اللي العريس بيعرضها، خلاه يسكت ويوطي راسه تاني. بصيت لأختي وأنا مش مصدقة، ناديت عليها بصوت حزين: “يا شهد! أنتِ ساكتة ليه؟ أنتِ سمعتي هو قال إيه؟ سمعتي نظرته لينا وإزاي شايفنا مجرد بضاعة بيشتريها بفلوسه؟ هتوافقي تتجوزي واحد داخل البيت بيهين أهلك وبيكسر كرامتنا؟”.

شهد بصتلي بدموع، بس ما كانتش دموع خوف منه.. كانت دموع واحد اختار يستسلم للوهم، قالت بصوت واطي ومخنوق وهي بتتجنب تبص في عيني: “يا عفاف.. العريس مش وحش، وهو بيتكلم كدة عشان أنتِ نرفزتيه وإهانتيه قدام أهله.. وبعدين هو معاكِ حق، الفلوس مش كل حاجة، بس العيشة اللي إحنا فيها دي مش عيشة.. أنا تعبت من الفقر، ومستعدة أستحمل أي حاجة عشان أخرج من البيت ده وأعيش في عز!”.

كلام شهد كان أقسى عليا من إهانات العريس ومن قسوة أمي.. اكتشفت إن البيعة ما كانتش بس من أمي، شهد كانت شريكة فيها ومستعدة تبيع كرامتها برضاها عشان شوية مظاهر. العريس ضحك بصوت عالي ومستفز، ضحكة رنت في أرجاء الشقة الضيقة وخلت كل حيطة فيها تهتز، وقال وهو بيبصلي بنصر: “سمعتي يا ست العاقلة؟ أختك أذكى منك بكثير، فاهمة الحياة صح وعارفة إن الفلوس هي اللي بتعمل قيمة للبنادمين.. مش الكلام الفارغ والشعارات اللي بتتكلمي بيها!”.

لفت نظره لأمي وقال بلهجة آمرة: “أنا مش هضيع وقت.. بكره الصبح المحامي بتاعي هيجي ومعاه المأذون والشبكة والمهر، وهنكتب الكتاب فوراً.. وشهد هتسافر معايا قصري في القاهرة بالليل.. ومش عايز أشوف وشك يا عفاف في الفرح ولا حتى تلمسي حاجة تخص أختك، أنتِ بالنسبة لي ومش موجودة!”.

أمي هزت راسها بموافقة متلهفة: “أمرك يا بيه، اللي تقول عليه يمشي.. هي أصلاً مش هتخرج من أوضتها لحد ما تخلصوا كل حاجة وتمشوا!”.

قربت من العريس ورزعت رجلي في الأرض بثبات، وقلتله ببرود أشد من بروده: “أنا مش محتاجة أكون موجودة في بيعة رخيصة زي دي.. وأنت فاكر إنك بتعاقبني لما تمنعني؟ أنت كدة بتخدمني لأن نضيفة ومش هلوث عيني بمهزلة زي دي.. بس افتكر كلامي كويس يا ابن الأكابر.. الفلوس بتشتري حاجات كثيرة، بس عمرها ما هتشتري لك راحة بال ولا احترام من قلب صادتك.. وهتشوف إن شهد اللي أنت فرحان بيها دي، بايعة نفسك عشان قرشينك، وأول ما الفلوس دي تتزحزح، مش هتلاقي حد جنبك!”.

العريس ملامحه اتشنجت تاني، وكأني ضربته في أكتر نقطة بتوجعه.. الشاب اللي بيذق الكرسي حرك الكرسي بسرعة عشان يخرجه قبل ما الموقف يتطور، والعريس خرج وهو بيجز على أسنانه وبيتوعد بصوت واطي.

أول ما الباب اتقفل وراهم، أمي تلفّتت ليا وعينيها طالع منها شرار.. هجمت عليا وبدأت تزقني في كتفي بقوة وهي بتصرخ: “يا بومة! يا وش الشؤم! كنتِ هتخربي البيت وتضيعي السعادة من إيدينا بكلامك السم! أنتِ إيه؟ معندكيش قلب؟ مش عايزة أختك تفرح وتعيش هانم؟!”.

مسكت إيد أمي وثبتها وقلت وأنا ببص في عينها بجمود: “أنا اللي معنديش قلب ولا أنتم اللي معندكوش كرامة؟ بتمسحوا بكرامتكم الأرض عشان راجل شايفكم شوية خدامين بفلوسه؟ شهد مش رايحة تعيش هانم يا أمي.. شهد رايحة تكون لعبة في إيد واحد مريض بالنقص، وهتشوفي بكرة الأيام هتثبتلك كلامي!”.

زقيت إيدها ودخلت أوضتي ورزعت الباب ورايا وحطيت الترباس.. قعدت على السرير وجسمي كله بيترعش.. مسحت دموعي اللي أبت تنزل قدامهم، ورفعت راسي للسما وقلت: “يا رب.. أنت الشاهد، أنا أبيت الظلم والمهانة، فاحميني واسترني من اللي جاي”.

مرت ليلة من أصعب ليالي حياتي، البيت بره كان خليه نخل.. أمي وشهد شغالين توضيب وتنظيف وضحك على الملايين اللي هتتدفق عليهم، وأنا محبوسة في الأوضة زي الغريبة.. وزي ما العريس قال، الصبح المحامي جه والمأذون، وتم كتب الكتاب في جو مليان هيصة مزيفة وجشع.. سمعت صوت الزغاريد اللي كانت طالعة من حنجرة أمي كأنها نبرة نصر على الفقر، لكنها بالنسبة لي كانت نبرة شؤم.

بالليل، سمعت صوت العربيات الفارهة وهي واقفة تحت الشارع، والصوت العالي للكرسي المتحرك وهو بيتسحب.. شهد كانت بتعيط وهي بتودعهم، بس دموعها كانت مزيج من الخوف والفرحة بالمستقبل المجهول. خرجت الشقة كلها وفضلت أنا لوحدي في البيت بعد ما مشيوا، الصمت كان قاتل.

خرجت من الأوضة بعد ما تأكدت إن الكل نزل يوصلوهم، ووقفت في البلكونة ألمس شوية هوى.. بصيت تحت ولقيت موكب العربيات بيتحرك.. وفي لحظة ما العربية الرئيسية كانت بتلف عشان تمشي، العريس رفع رتوش عينه وبار الموكب كله وقفت عينه في بلكونتي.. بصلي بنظرة تحدي مسمومة، ورفع إيده بأشارة وعيد وتهديد خلت قلبي يقف مكان.

بعدها بيومين بس.. الشارع كله اتزلزل بخبر خلى أمي وأبويا يقعوا من طولهم، وخلى كل الحسابات اللي عملوها تتقلب رأساً على عقب!

أمي وأبويا وقعوا من طولهم لما الباب خبط بقوة وهستيرية في نص الليل. الصوت كان زي الدق على الخشب في مأتم. أبويا قام يجري يفتح وهو إيده بترتعش، وأمي كانت وراه بتسحب رجليها وركبتها بتخبط في بعضها من الخوف. أول ما الباب اتفتح، ظهرت شهد.. بس مش شهد الهانم اللي مشيت من عندنا من يومين في موكب عربيات فارهة، ولا البنت اللي كانت فاكرة إن الفلوس هتشتري لها الجنة.

شهد كانت واقفة على الباب بفستانها المبهدل، شعرها منكوش، وشها أصفر زي الميتين، وتحت عينيها تورم أزرق واضح كأن حد ضربها بقسوة. أختي كانت بتلهث وبتبكي بصوت مكتوم وهستيري، وأول ما شافت أمي اترمت في حضنها وانهارت على الأرض وهي بتصرخ: “الحقوني يا ماما.. الحقوني هيقتلني! الراجل ده مجنون.. ده مش بني آدم!”.

أمي صرخت وشالتها من على الأرض وهي بتترعش، وأبويا قفل الباب بسرعة وهو بيتلفت حواليه زي المجرمين. قعدوها على الكنبة في الصالة، وأنا خرجت من أوضتي على صوت الصريخ.. المنظر كان يصدم أي حد، بس جوايا كان فيه صوت بيصرخ وبيقول: “أنا حذرتكم!”.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى