
عجز محمود عن سداد كمبيالتين لسامية، فلم تنتظر عليه يوماً واحداً! أخذ والُدها الكمبيالات وتوجه فوراً إلى النيابة العامة، وصدر ضد محمود حكم سريع بالحبس.
في ليلة شديدة البرودة، طرق رجال تنفيذ الأحكام باب الشقة. نزل محمود مكبلاً بالقيود من العمارة نفسها التي طرد منها عبير من قبل، وأمام أعين الجيران الذين وقفوا يشاهدون حسرته وسقوطه.
خرجت “أم محمود” على عكازها تنادي عليه وهي تبكي وتصرخ بقلة حيلة، لكن سامية وقفت على باب الشقة بكل برود وقالت لها أمام رجال الشرطة والجيران:
* وفّري دموعك يا ست أنتِ! ابنك رايح المحبس عشان ما وفاش بحقي، وبكرة الشقة دي هتعرض للمزاد أو الإيجار عشان أسترد فلوسي وفلوس عيالي! اطلعي لمّي حاجتك وشوفي لك مكان يقويكِ!
دخل محمود السجن لتمضية عقوبة الكمبيالات، تاركاً خلفه ديوناً لا تنتهي، وسمعة وظيفية وشخصية تدمرت بالكامل. أما أمه، فلم تجد أمامها سوى أن تنتقل للعيش في دار لرعاية المسنين على نفقة بعض أهل الخير، بعد أن رفضت ابنتها سمر وزوجها استقبالها خوفاً من المشاكل والديون، ليصبح ذلك التكييف وتلك الأجهزة التي طمعت فيها سبباً في إخلائها من بيتها وحرمانه من ابنها وعزلتها عن الدنيا بأسرها.
في صباح يوم مشرق، كانت عبير تقف في بلكونة شقتها الراقية بجانب زوجها شريف، يشربان الشاي ويشاهدان زقزقة العصافير في الحديقة أسفل العمارة. وردها اتصال تلفوني من والده الحاج عبد الله، يطمن عليها وعلى صحة الجنين، وفي نهاية المكالمة قال لها بنبرة ملؤها الرضا والوقار:
* شفتِ يا بنتي؟ عدل ربنا ما بيتأخرش أبداً. محمود اتسجن وأمه راحت الدار، واللي ظلمك وافترى على شقاكِ أخد جزاءه في الدنيا قبل الآخرة.
ابتسمت عبير ابتسامة هادئة، ونظرت إلى وجه زوجها شريف الذي كان يمسك بيدها بحنية وأمان، وقالت لأبيها بصوت واثق وصافٍ:
* الحمد لله يا بابا.. ربنا ما بيضيعش حق حد مظلوم ولا بيكسر بخاطر صابر. أنا نسيت الماضي بكل قسوته، وعايشة في الخير والستر اللي ربنا عوضني بيه.
أغلقت عبير الهاتف، وسندت رأسها على كتف زوجها شريف، والتفتت تنظر إلى شقتها الدافئة الممتلئة بالحب والأمان، متأكدة أن كرامة الإنسان وشقاءه هما أغلى ما يملك، وأن البيت الذي يُبنى على الحق والرضا والأصول هو الوحيد الذي يدوم ويبقى.




