
خرجت من الجناح، وقلبي موجوع.
لكن كنت عارفة إن المواجهة دي كشفت جزء مهم من الحقيقة.
نزلت مع داليا لمكتب صغير في الفندق.
حكيتلها كل اللي حصل.
قالتلي:
— كويس إنك ممضتيش. بس لازم نتحرك بسرعة، لأن الناس دي واضح إنها مستعدة تعمل أي حاجة.
سألتها:
— تقدري تثبتي إنهم كانوا بيخططوا ياخدوا صلاحياتي؟
قالت:
— محتاجين أدلة مستقلة، وهنطلب حفظ التسجيلات والمراسلات، ونتحقق من المستندات والتحويلات بشكل قانوني.
في اللحظة دي، شريف اتصل بيا.
رديت بسرعة.
— أيوه يا شريف.
كان صوته متوتر.
— مدام ملك، أنا وصلت لحاجة خطيرة جدًا.
قلبي دق.
— قول.
— شركة الاستشارات اللي في ملف الصفقة… عرفنا مين المستفيد الحقيقي منها.
وقفت من مكاني.
— مين؟!
سكت لحظة.
وبعدين قال:
— فيه شركة وسيطة مسجلة بره مصر، وبعد تتبع المستندات اللي معانا ظهر اسم نادين وآسر في سلسلة الملكية.
حطيت إيدي على جبيني.
كنت متوقعة ده.
لكن شريف كمل:
— المشكلة مش هنا.
— أمال فين؟!
— فيه تحويل قديم من شركة مرتبطة بعمي كمال للشركة الوسيطة، واتعمل قبل أربع شهور.
قلت:
— يعني كانوا مجهزين كل ده من بدري.
رد:
— أيوه… بس فيه حاجة أخطر.
— إيه؟
— المبلغ اللي كانوا ناويين يسحبوه من الصفقة مش مجرد عمولة استشارات. فيه دفعة مقدمة كبيرة كانت هتتحول لشركة تنفيذ ملهاش معدات ولا موظفين كفاية للمشروع.
حسيت إن قلبي بيقع.
— يعني كانوا عايزين يحولوا جزء كبير من الفلوس لشركات تحت سيطرتهم؟
— ده الاحتمال اللي المستندات بتشير ليه، ومحتاجين مراجعة مستقلة تثبته.
سألته:
— طب وجدي؟ والوصية؟ إيه علاقتها؟
سكت شريف.
وبعدين قال:
— مدام ملك… حضرتك فاكرة الملحق السري اللي جدك سابه في آخر الوصية؟
قلت:
— أيوه.
قال:
— أنا لقيت إشارة ليه في ملف قديم من أرشيف الصندوق.
اتنهدت.
— وإيه الجديد؟
قال بصوت مخنوق:
— الملحق ده مش بس بيحدد صلاحيات حضرتك.
— أمال فيه إيه؟
— فيه بند عن تحويل أصول معينة لمؤسسة خيرية لو ثبت تلاعب أحد الأمناء بأموال الصندوق، وفق الإجراءات المحددة في الوثائق.
حسيت إني بدأت أفهم.
عمي كمال كان خايف.
مش بس لأنه عايز فلوس.
لكن لأنه عارف إن اكتشاف التلاعب ممكن يحرمه من نفوذ كبير داخل الصندوق.
قلت لشريف:
ابعتلي كل حاجة.
رد:
— حاضر… بس لازم تعرفي إن فيه حد دخل الأرشيف النهارده وحاول يسحب الملف الأصلي.
اتجمدت.
— مين؟!
قال:
— الطلب كان باسم شخص عنده صلاحية دخول قديمة.
— مين يا شريف؟!
وقبل ما يرد، الخط اتقطع.
حاولت أتصل بيه تاني.
مفيش رد.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
ولا رد.
بصيت لداليا بقلق.
— شريف مش بيرد.
قالت:
— ممكن الشبكة قطعت.
لكن قلبي كان بيقولي إن فيه حاجة غلط.
وبعد دقيقتين، وصلتلي رسالة من موبايله.
“متثقيش في حد… حتى أبوكي.”
قريت الرسالة مرة واتنين.
أبويا؟!
إيه علاقة أبويا بكل ده؟!
وقبل ما أستوعب، وصلني اتصال من رقم مجهول.
رديت.
سمعت صوت راجل كبير في السن.
صوت كنت أعرفه كويس.
قال:
— ملك… لو عايزة تعرفي الحقيقة، تعالي البيت القديم بتاع جدك.
سألته بصدمة:
— مين معايا؟!
رد:
— أنا الشخص اللي جدك ائتمنه على آخر سر قبل ما يموت.
حسيت إن صوتي بيختفي.
— إنت مين؟!
قال:
— اسمي عماد… كنت المحاسب الشخصي لجدك.
افتكرت الاسم.
عماد عبد السلام.
الراجل اللي اختفى من شغل العيلة بعد وفاة جدي بشهور.
قلتله:
— إنت عايز مني إيه؟
رد بصوت مرتعش:
— عايز أسلمك الأمانة اللي فضلت مخبيها عشر سنين.
— أمانة إيه؟
سكت لحظة.
وبعدين قال جملة خلتني أحس إن الدنيا كلها وقفت:
— جدك قبل ما يموت اكتشف إن فيه حد من ولاده بيزور توقيعاته… وإن موته حصل بعد مواجهة كبيرة بسبب الموضوع ده.
شهقت.
— إنت بتقول إيه؟!
رد بسرعة:
— مش هقدر أقول أكتر في التليفون. تعالي ومعاكي محاميتك… وماتجيبيش حد من العيلة.
وقفل.
فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أتحرك.
أنا كنت فاكرة إني بحارب علشان أحمي جوازي وفلوسي من الخيانة.
لكن فجأة اكتشفت إن الحكاية أكبر بكتير.
وإن السر الحقيقي يمكن يكون مدفون من يوم وفاة جدي.
بعد نص ساعة، كنت في العربية مع داليا، ورايحين البيت القديم.
الطريق كان فاضي، والساعة قربت على واحدة بعد نص الليل.
داليا بصتلي وقالت:
— ملك، فيه حاجة لازم أقولك عليها قبل ما نوصل.
بصيتلها.
— إيه؟
قالت:
— أنا راجعت نسخة الوصية اللي عندي… ولقيت اختلاف بين النسخة المسجلة عندنا والنسخة اللي اتبعتت لمجلس إدارة الصندوق من سنين.
اتصدمت.
— اختلاف إيه؟!
— صفحة كاملة متغيرة.
حسيت إن نفسي اتقطع.



