Uncategorizedعام

حكايات انجى الخطيب 1

أنا كنت واثقة في أبويا طول عمري، بس اللحظة دي.. الرعب اللي جوايا بدأ يتحول لذهول. ركبي خارت وقعدت على أقرب كرسي في الصالة، وإيدي بتترعش ومش قادرة أستوعب إن الراجل اللي عشت معاه سنتين كان بيجهزلي سجن طوال حياتي، وكان هيورطني في قضايا تهد المعبد على دماغي.
“كنت هروح في داهية يا بابا.. كنت هتشال قضية غسيل أموال وملايين مالهاش أول من آخر.”
أبويا قرب مني، حط إيده على راسي بهدوء وقال بصوته الدافئ اللي بيرجعلي أمان الدنيا كلها: “طول ما أنا بتنفس يا نادية، مفيش مخلوق على الأرض يقدر يلبّسك غلطة مش بتاعتك. كريم كان فاكر إن سكوتي الفترة اللي فاتت ضعف، وما كانش فاهم إن اللواء حسن الدسوقي عمره ما بيكشف ورقه إلا لما الخصم يقع في الفخ بكامل إرادته.”
الموبايل رن تاني على الترابيزة، بس المرة دي كان اسم العميد أحمد من الرقابة الإدارية. أبويا رد وفتح السبيكر.
“تمام يا سيادة اللواء.. الاتنين استلمناهم، واللابتوب والفلاشات اللي كانت في شنطة كريم اتحفظنا عليها. الملف المزدوج اللي حضرتك بعتهولنا على الإيميل المشفّر قلب الهيئة عندنا.. ده فيه أسماء حيتان كبيرة كنا بنتدور عليهم بقالنا سنتين، وكريم كان مجرد الواجهة الرخيصة بتاعتهم.”

أبويا ابتسم بثقة وقاطعه: “المهم عندي نادية يا أحمد.. وضعها القانوني إيه؟”
العميد أحمد رد فورًا بنبرة حسستني براحة ما حسيتهاش من سنين: “مدام نادية بريئة تمامًا، التوقيعات اللي كانت على العقود اتثبت إنها مزورة إلكترونيًا عن طريق الحساب الإداري اللي كريم كان بيستغله، وسحب الصلاحيات وتغيير الباسوردات في نفس دقيقة الطلاق حسمت الموضوع قانونيًا.. هي بالنسبة لنا شاهدة ومجني عليها.”
قفلت المكالمة وأنا بتنفس لأول مرة من ساعات. حسيت كأن جبل كان كابس على صدري وانزاح في لحظة.
بصيت لأبويا وقلتله بصوت مخنوق: “هو كان فاكرني غبية للدرجة دي يا بابا؟ كان فاكر إن الشياكة والعز اللي عايش فيه هيغطوا على القذارة دي كلها؟”
أبويا قعد قصادي، وبصلي بنفس النظرة الحادة اللي فيها خبرة سنين طويلة: “كريم ما كانش شايفك يا نادية.. كريم كان شايف الفلوس والنفوذ اللي ورا اسم عيلتك. ولما حس إنه أخد اللي عايزه وحاول يرميكي ويورطك، نسي أهم درس في الحياة.. إن اللي يبني بيته على كذب وسرقة، أول هزة هتهد البيت ده فوق دماغه هو.”
مسكت إيد أبويا وبستها. النظرة اللي كانت في عينيه بعد ما المأذون خلص والألم اللي حسيت بيه وقتها، أتحولوا لفخر ودعم حقيقي خلى كل الوجع يختفي.
مع طلعت شمس اليوم الجديد، كان الخبر مالي الصحف والمواقع.. سقوط شبكة تهريب وغسيل أموال بقيادة رجل أعمال صاعد وزوجته المحامية. وأنا واقفة في البلكونة، بشرب القهوة جنب أبويا، حسيت إن الشمس دي مش طالعة على يوم جديد بس.. دي كانت طالعة على بداية حياتي الحقيقية.
عدّى أسبوعين على الليلة دي. الحياة ما وقفتش، بس شكلها اتغيّر تمامًا.

أول مرة أنزل فيها الشركة من غير ما يكون كريم ماشي جنبي أو بيمثّل إنه بيحميني، كانت رهبة مش طبيعية. لما دخلت من باب المبنى الزجاجي الضخم، السكوت حلّ في المكان. الموظفين كانوا بيبصوا لي بنظرات مخلوطة بين الصدمة والاحترام. الكل كان عارف إن “ست الحسن” اللي كانت متسابة في الظل، هي اللي طيّرت كريم منصور وشبكته في ليلة واحدة.
طلعت الدور الأخير، قعدت على كرسي المكتب اللي كان كريم قاعد عليه لسنتين. وقبل ما أفتح أول ملف، الباب اتفتح بدون استئذان.
دخل أشرف، مدير الحسابات اللي كان كريم جايبه مخصوص عشان يمرر الورق القذر تحت أيدينا. كان ماسك شنطة جلد في إيده ووشه أصفر زي الليمونة.
“مدام نادية.. أهلاً بحضرتك.. أنا.. أنا كنت بس بجمع حاجتي الشخصية عشان…”
قاطعته وأنا بفتح اللابتوب بهدوء: “عشان تسافر بره مصر يا أشرف؟ الفيزا والإنتربول شغالين من البارح يا حبيبي. تقارير المراجعة المالية للخمس سنين اللي فاتوا كلها بقت قدام النائب العام دلوقتي.”
الشنطة وقعت من إيده، وشه اتقلب وهو بيبصلي بذهول: “والله يا مدام نادية أنا ما كانش ليا دعوة! كريم هو اللي كان بيكرهني على التوقيعات!”
“كريم كان بيدي نسبتك في حساب في دبي يا أشرف.. افتح الباب هتلاقي رجال الأمن مستنيينك تحت.”
خرج أشرف يجر رجليه، وفي نفس اليوم، جالي استدعاء رسمي من النيابة العامة لاستكمال أوراق القضية ومواجهة كريم للمرة الأخيرة.
لما دخلت غرفة التحقيق، الشباك الزجاجي كان بيفصل بيني وبينه. كريم ما كانش كريم بتاع زمان. البدلة الإيطالي المفصلة اتستبدلت ببدلة السجن الزرقا، دقنه كبرت، وعينيه جاحظة وشاحبة من قلة النوم.
أول ما شافني، قرب من الإزاز بسرعة ومسك السماعة بإيدين بتترعش: “نادية! نادية أرجوكي اسمعيني! سارة هي اللي ورطتني! هي اللي كانت بتوصلني بالناس دول وكانوا بيهددوني بأهلي لو ما نفذتش!”
مسكت السماعة ببرود، وبصيت له في عينيه: “سارة اعترفت عليك بالكامل من أول ساعة يا كريم.. وقالت إنك أنت اللي خططت عشان تتجوزني وتستغل اسم أبويا ورصيد عيلتي في كل بلاويكم.”

سكت، وفضل يبصلي بذل وهو مش مصدق إن دي نادية اللي كانت بتصدق كل كلمة بيقولها.
“سارة باعتك في أول المحطة.. وأنت بعت نفسك لما افتكرت إن القرشين والنفوذ المزيف هيعملوا منك راجل على حسابنا.”
كريم دمعت عينيه بندم حقيقي، وقال بصوت متقطع: “نادية.. أنا خسرت كل حاجة.. مستقبلي، اسمي، حريتي.. سامحيني.”
رديت عليه بنبرة حازمة ومفيهاش نقطة ضعف واحدة: “المسامحة دي بينك وبين ربنا يا كريم.. أما أنا، فحقوقي رجعتلي، وأهم حاجة رجعتلي هي نفسي اللي كنت بضيعها معاك.”
حطيت السماعة مكانها، وقمت وقفت. لفت ضهري ومستنيتش أسمع صراخه أو خبطه على الإزاز.
طلعت من مبنى النيابة، كانت الشمس طالعة صافية، وأبويا واقف جنب العربية بره، ساند على عصايته وبيبتسم لي بفخر.
قربت منه، أخدني في حضنه، وركبت جنبه وسقنا في طريقنا للبيت.. وأنا عارفة إن الصفحة دي اتفلت للأبد، وإن اللي جاي مش مجرد نجاة من مصيبة.. دي بداية حكاية جديدة لست عرفت قيمة نفسها وعرفت يعني إيه يكون وراها ضهر ما بيتكسرش.
حكايات انجى الخطيب

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى