روايات وقصص

حكايات نور محمد 2

في أحد أيام الثلاثاء، تلقت والدتي اتصالاً هاتفياً من خالتي “ماجدة”، وهي الست التي كانت دائماً ترى أن السكوت على ظلم الزوج وعائلته هو “أصل الأدب”. كانت خالتي قد علمت بكل ما حدث من التفاصيل التي تسربت عبر العائلة، وقررت أن تتدخل لتلقنني درساً في “الأصول”.

جاءت خالتي لزيارتنا في بيت أهلي أثناء وجودي هناك بعد انتهاء ساعاتي في الشركة. جلست في الصالة، وألقت بحقيبتها على الأريكة، ونظرت إليّ بنظرات شذر قبل أن تبدأ حديثها.

مقالات ذات صلة

قالت خالتي بنبرة حادة وساخرة: “أهلاً بالمهندسة ندى.. اللي ملأت العيلة كلام وخربت بيتها بإيدها! بقى إنتي يا بت ترفعي إيدك على حماتك؟ تكسري كلمة الست الكبيرة وتخرجي جوزك من بيت أبوه؟ دي الأصول اللي اتعلمتيها هنا؟”

كانت والدتي تسير باتجاه الصالة تحضر الشاي، لكنها توقفت عندما سمعت كلام أختها. قبل أن تنطق أمي بكلمة، نظرت إلى خالتي بثبات، وشعرت بالقوة نفسها التي سريت في جسدي ليلة الخميس الشؤوم.

قلت بهدوء شديد ورزانة: “يا خالتي، الأصول إن البني آدم يحترم نفسه عشان الناس تحترمه. الأصول إن الست لما تدخل بيت جوزها، تدخل كرامتها معاها، مش تسيبها على الباب عشان ترضي حد. أنا ما ضربتش حماتي، أنا منعتها تضربني.. وفرق كبير بين العدوان وبين دفاع البني آدم عن كرامته.”

قاطعتني خالتي وهي ترفع يدها بغضب: “ودفاعك ده هو اللي هيهد بيتك! الجواز استمالة وصبر، والست اللي ترادد حماتها وجوزها بكرة تتربى في بيت أهلها وتندم لما تلاقيه اتجوز عليها واحدة تلمسه وتسمع كلامه!”

في هذه اللحظة بالذات،ُ فتح باب الشقة، ودخل أحمد. كان قد اتفق معي على أن يمر عليّ ليأخذني إلى بيتنا بعد انتهائه من عمله.

سمع أحمد المقطع الأخير من كلام خالتي وهو يدخل الصالة. توقف مكان خطواته، ونظر إلى خالتي ماجدة بملامح حادة لم أرها عليه من قبل أمام حد من أقاربي.

تقدم أحمد بخطوات ثابتة، وسلم على أمي ثم التفت إلى خالتي وقال بنبرة قاطعة هزت الصالة: “بعد إذنك يا خالة ماجدة.. ندى مراتي مش هترجع بيت أهلها، وندى بيتها مفتوح ومكرمة فيه، وأنا مش هتجوز عليها ولا هفكر في غيرها. ندى عملت اللي أي إنسان محترم يعمله لما يحس إن كرامته بتهان، وأنا اللي قصرت في حقها زمان، بس النهاردة أنا ضهرها والسند اللي يحميها من أي كلمة مضايقة، سواء من أهلي أو من أهلها.”

ذهلت خالتي ماجدة، واتسعت عيناها من الصدمة. لم تكن تتوقع أن يأتي الرد من الزوج الذي كانت تظن أنه مسلوب الإرادة أو مكسور الخاطر.

تابعتُ بثقة وأنا أنظر لأحمد بابتسامة امتنان: “شفتِ يا خالتي؟ الجواز اللي مبني على الاحترام والرجولة ما بيهدوش موقف، بل بيبنيه من جديد. أنا مش جارية، وأحمد مش سي السيد، إحنا شربنا الدرس صح، واللي بينا انقطع من ناحية الضعف، وبدأ من ناحية القوة.”

لم تجد خالتي ماجدة ما تقوله، وساد الصمت المكان. قامت أمي ووضعت الشاي وهي تبتسم بقلب مرتاح، بعد أن رأت ابنتها تقف على أرض صلبة وزوجها يحميها أمام الجميع.

استأذنا ونزلنا معاً. وفي الطريق إلى عربتنا، مسكت إيد أحمد وقلت له: “شكراً يا أحمد.. شكراً إنك بقيت الضهر اللي كنت مستنياه من زمان.”

رد أحمد وهو يفتح لي باب السيارة: “أنا اللي بشكرك يا ندى.. القفشة اللي قفشتيها لإيد أمي في الهواء، مكنتش بس دفاع عن وشك.. دي كانت الصدمة اللي فوقتني وعلمتني إزاي أكون راجل حقيقي بيحمي بيته ومراته.”

انطلقنا في طريقنا نحو بيتنا الجديد، ونحن نعلم أن الفصل القادم سيكتب بأسلوبنا نحن، وبشروطنا نحن فقط.

مرت الأيام والأسابيع، وأصبحت حياتنا في الشقة الجديدة أشبه بنهر هادئ يجري في مساره الطبيعي بعد أن أزيحت من طريقه كل الصخور التي كانت تعوق تدفقه. لم يعد هناك مكان للخوف، ولا للحيرة، ولا للشعور الثقيل بأنني غريبة في حياة الزوج الذي اخترته.

في صباح يوم جمعة مشمس، كنت أقوم بترتيب صالة الشقة، بينما كان أحمد يقف في المطبخ يعد القهوة بنفسه، وهو يدندن بلحن هادئ. كانت رائحة القهوة تنتشر في أركان البيت لتضفي عليه دفئاً وأماناً لم أذقه طوال السنوات الأولى من زواجنا.

اقترب أحمد وهو يحمل الفنجانين، ووضعهما على الطاولة الصغيرة في البلكونة المطلة على الشارع الهادئ. جلس أمامي ونظر إليّ بابتسامة حنونة تحمل كل معاني الامتنان والارتياح.

قال وهو يرتشف من فنجانه: “عارفة يا ندى؟ أنا ساعات بقعد أفتكر ليلة الخميس القادمة دي، وبسأل نفسي.. لو مكنتيش مسكتِ إيد أمي في الهواء ساعتها، كان زماننا فين دلوقتي؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى