روايات وقصص

حكايات رودى خالد 2

سقطت الهاتف من يد مروان.

في هذه الأثناء، كانت يارا تجلس في صالة شقتها الهادئة. الشمس تتسلل عبر الستائر، تعكس ضوءًا دافئًا على الأرضيات. لم تعد تشعر بالخوف أو الحزن، بل بيقين طفح على ملامحها.

مقالات ذات صلة

تذكرت كل مرة كانت تغلق فيها عينيها عن تجاوزات نوال، وكل مرة كانت تبسط فيها يدها بالمال لتخفف عن مروان، وكل مرة تنازلت فيها عن كرامتها لتشتري “راحة البال”.

عرفت الآن أن راحة البال لا تُشترى بالتنازلات، بل تُفرض بالقوة والحق.

في المساء، أرسل مروان رسالة أخيرة، لكن هذه المرة لم تكن تتضمن تهديدًا، بل كانت مليئة بالتوسل والترجي:

“يارا… أرجوكي ردّي. أمي تعبانة وبتموت من الصدمة، وأنا شغلي يضيع. نتفاهم ونحل الموضوع ودي، امسحي الفيديوهات وأنا مستعد أكتب لك تنازل عن كل حاجة وأختفي من حياتك للابد…”

قرأت يارا الرسالة، ونظرت إلى الكاميرات التي تعمل في الشقة، ثم إلى الكالون الجديد المتين الذي يغلق بابها بأمان.

لم ترد.

بل أخذت نَفَسًا عميقًا، وفتحت حاسوبها لتضع اللمسات الأخيرة مع محاميها على موعد الجلسة الإجرائية الحاسمة.

كانت تدرك أن النصيب الأكبر من المواجهة قد بدأ للتو، وأن الصدمة الحقيقية لمروان وعائلته ستكون في القاعة… عندما تقف أمام القاضي لتطالب بحقها كاملاً غير ناقص.

الجزء الخامس والأخير

في صباح اليوم الموعود، كانت قاعة المحكمة تعج بالحركة والنَّاس. جلس مروان الشناوي إلى جوار والده محنيّ الظهر، يترقب بدخول القاضي ووجهه شاحب من قلة النوم. نوال ودنيا جلستا في المقاعد الخلفية تحاولان تجنّب أنظار الحاضرين، بعدما أصبحت القصة حديث كل من يعرفهم.

أما يارا فؤاد، فدخلت القاعة بثبات. كانت ترتدي بدلة رسمية أنيقة، وخطواتها الواثقة تعكس شخصية جديدة تمامًا… شخصية لم تعد تنتظر الحماية من أحد، بل تأخذ حقها بيدها.

بدأت الجلسة، ووقف محامي مروان يحاول التخفيف من الموقف، يدّعي أن الأمر لا يتعدى كونه “خلافًا عائليًا بسيطًا بين خطيبين”، وأن موكله أُنفق مبالغ في التجهيزات ويطلب ردّها مع التنازل عن القضايا المرفوعة ضده.

وهنا، وقف الأستاذ أيمن، محامي يارا، واستأذن القاضي في تقديم حافظة المستندات النهائية.

قدّم للقاضي كشوف الحسابات البنكية الموثقة، التي تُثبت أن يارا هي من كانت تنفق وتُحول الأموال لحساب مروان الشخصي، وليس العكس. ثم قدّم تقريرًا فنيًا رسميًا من وزارة الاتصالات يثبت صحة التسجيلات الصوتية والفيديوهات، والتي تُظهر بشكل قاطع الشروع في الاستيلاء على ممتلكاتها الخاصة وتحديد تهديدات صريحة لها.

القاضي استعرض الأوراق بدقة، بينما كان الصمت يخيم على القاعة.

وبعد مداولة لم تدم طويلاً، خرج القاضي ليطق بالحكم:

إلزام مروان الشناوي بسداد كافة المبالغ المالية التي تسلمها من يارا فؤاد عن طريق التحويلات البنكية، والبالغ قدرها 185 ألف جنيه، مع تغريمه مبلغًا ماليًا كتعويض عن الأضرار الأدبية والنفسية والتعدي على الخصوصية، ورَفْض كافة ادعاءاته المالية.

سقط الحكم كالصاعقة على مروان وعائلته.

نوال بدأت بالبكاء بصوت مكتوم، بينما جلس حسين ينظر إلى الأرض بقلة حيلة بعدما أدرك أن طمعهم أورثهم الخسارة والفضيحة معًا.

خرجت يارا من قاعة المحكمة، ووقف مروان في الممر يعترض طريقها لآخر مرة. كان يتنفس ببطء، وعيونه مليئة بالندم والحسرة:

“يارا… بجد هتهدي كل حاجة وتسيبيني بعد كل السنين دي؟ دمرتي مستقبلي وسمعتي…”

وقفت يارا أمامه، ونظرت في عينيه ببرود تام، وقالت بثقة لم تعهدها فيها من قبل:

“أنا مَهدَمْتِش حاجة يا مروان… أنت وأهلك اللي هدمتوا كل حاجة يوم ما افتكرتوا إن طيبتي ضعف، وإن بيتي وكرامتي مالهمش صاحب. أنا بس قفلت الباب… وغيرت الكالون.”

تركتهم خلفها ومشت بخطوات واثقة باتجاه الخروج.

وصلت إلى شقتها، فتحت الباب بالكالون الجديد، ودخلت.

كان المكان هادئًا ومشرقًا بنور الشمس. تنفست الصعداء، وأغلقت الباب خلفها بكل قوة وثبات، وهي تعلم أن هذا الباب لم يعد يفتح إلا لمن يستحق، وأن حياتها الحقيقية بدأت… الآن.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى