روايات وقصص

حكايات رشا خالد 1

قال:

“اطلعي البيت الأول… وكلنا قاعدين.”

مقالات ذات صلة

قلت:

“جاوبني.

هل عربيتي اتباعت؟”

سكت.

حماتي اتوترت وقالت:

“وطي صوتك… الجيران هيسمعوا.”

لفيت ناحيتها.

وقلت:

“ابنك باع عربيتي… وإنتي خايفة من كلام الجيران؟”

كريم حط الكوباية فوق العربية.

وقال بعصبية:

“هو مش بيع.

ده استبدال.”

“استبدال؟”

“آه.

التيسلا سعرها بينزل بسرعة.

وأنا بدلتها بعربية عملية.”

قلت:

“وفين فرق الفلوس؟”

رد بمنتهى البجاحة:

“استعملناه في البيت.”

قلت:

“أنهي بيت؟”

قبل ما يتكلم…

حماتي ردت.

“كريم هيتجوز.

وكان ناقصه فلوس الشبكة والقايمة.

إنتي مراته أخوه.

المفروض تساعديه.”

في اللحظة دي…

هديت تمامًا.

ولا صرخت.

ولا اتخانقت.

فتحت تطبيق تسجيل الصوت.

وضغطت تسجيل.

وبصيتلهم واحد واحد.

وقلت:

“من اللحظة دي…

كل كلمة هتطلعوها من بقكم…

هتتبقى دليل عليكم.”

اختفت الابتسامة من وش كريم.

الجزء الثاني

وقفتُ في منتصف جراج العمارة المعتم، وصوت التسجيل على هاتفي يعمل بدقة متناهية. كانت نظرات كريم تتنقل بين شاشة هاتفي وبين وجه أمه التي بدأت علامات الارتباك تظهر على ملامحها لأول مرة منذ بدء الحديث. الجو كان مشحوناً برائحة العادم القديم ورطوبة الجدران الخرسانية، وصمتٌ ثقيل يسبق العاصفة خيّم على المكان.

تقدم كريم خطوة نحو المحمول، محاولاً إخفاء توتره بنبرة تهديد ساخرة: “أنتِ بتصوري وتسجلي لـ أهل جوزك يا هبة؟ أنتِ جننتي ولا إيه؟ افتكري إننا عيلة واحدة، واللي بتعمليه ده ملوش غير معنى واحد… إنك بتخربي على نفسك.”

لم أتحرك إنشاً واحداً. رفعتُ الهاتف في مستوى صدره مباشرة وقلتُ بنبرة هادئة كالجليد: “العيلة ما بتسرقش بعض يا كريم. العيلة ما بتاخدش ملكية عربية بمليون وتلتمية ألف جنيه عشان تبيعها وترجع صاحبها بعربية متهانة عمرها الافتراضي انتهى. أعدلي اللي قلته حالا وركز في كلامك… الفلوس راحت فين؟”

تدخلت حماتي بصوت متوتر وهي تحاول سحب كريم للخلف: “اسكت يا كريم ما تتكلمش! أنتِ فاهمة إيه يا هبة؟ الفلوس ما اتسرقتش، الفلوس في حفظ وصون لمصلحة الجوازة. محمد ابن الكبير عارف وموافق، وهو اللي قالنا إنك مش هتمانعي تجميد مبلغ العربية كام شهر لحد ما كريم يشطب شقته ويشتري الشبكة، وبعدين نبقى نرجعلك حقك بالتقسيط!”

ابتسمتُ بمرارة، وشعرت برغبة عارمة في الضحك من هول ما أسمع. التقسيط؟ يحولون ممتلكاتي الشخصية التي جمعت ثمنها من عرق سنوات شغلي في الغربة والشركات العالمية إلى “قرض حسن” بالتقسيط وبدون علمي!

في تلك اللحظة،ُ فُتح باب الأسانسير وخرج منه محمد. كان يركض بنصف نفَس، ملامحه شاحبة وعيونه تتنقل برعب بيني وبين أخيه وأمه. أول ما وقعت عينه على الهاتف في يدي، أسرع ونزع الهاتف من يدي بقوة، وأوقف التسجيل فوراً.

نظر لي بعتاب صديد وقال: “إيه المهزلة دي يا هبة؟ بتسجلي لـ أمي وأخويا في الجراج؟ أنتِ نسيتي الأصول ولا إيه؟”

نظرتُ إلى يدي الفارغة، ثم رفعت عيني لنظراته المتوسلة والممتلئة بالخوف في آن واحد. قلتُ له بصوت منخفض لكنه هز أركان الجراج: “المهزلة دي هي اللي هتدخل أخوك السجن، ويا عالم هتدخلك معاه ولا لأ يا محمد. نزل إيدك ورجع الموبايل، بدل ما أطلب النجدة فوراً بتهمة السرقة بالإكراه والتعدي.”

تراجع محمد خطوة للخلف، مرعوباً من الجدية الحادة في صوتي. كان يعلم جيداً أنني عندما أصل لهذه الدرجة من الهدوء، أكون قد اتخذتُ قراري بالفعل.

أخذتُ منه الهاتف بحدة، وأعدتُ تشغيل التجميع الصوتي والحفظ السحابي التلقائي كي لا يضيع التسجيل. ثم التفتُّ لمحمد وسألته السؤال المباشر الذي كان يتهرب منه منذ وصولي: “كيف؟ كيف تم بنود البيع بنقل الملكية دون وجودي؟ التيسلا مكتوبة باسمي أنا فقط، والتسجيل الشهر العقاري محتاج توقيعي الشخصي أو توكيل رسمي خاص بالبيع. كريم باع العربية بعقد ابتدائياً فقط ولا عمل حاجة تانية؟”

ساد الصمت بين الثلاثة. ساد صمتٌ مريب تجنبت فيه حماتي النظر في عيني، بينما كان كريم يحرك قدمه على الأرض بتوتر.

خطوتُ نحو كريم وسألته بنبرة واثقة: “الأوراق فين يا كريم؟ عقد التيسلا… أصل التوكيل… رخصة العربية… مين اللي سلمك الورق ده من دولابي في الشقة وأنا مسافرة؟”

تعلثم كريم وقال: “أنا… أنا دخلت الشقة بـ المفتاح اللي مع أمي… كان في توكيل المطبوع في الملف الأزرق بتاعك…”

شعرتُ برعدة تسري في جسدي، ليست خوفاً بل صدمة. الملف الأزرق! هذا الملف يحتفظ بجميع أوراقي الرسمية، بما فيها توكيل عام إدارة كنتُ قد حررته لمحمد قبل سنتين كي ينهي لي إجراءات التراخيص والمرافق وأنا مسافرة في الشغل!

التفتُّ لمحمد وقلتُ له وأنا أستوعب الكارثة: “أنت… أنت اديته التوكيل بتاعي؟ أنت استخدمت التوكيل العام اللي عملتهولك عشان تخليه يبيع عربيتي؟”

عرق بارد سال على جبهة محمد. بدأ يبرر بحدة وارتباك: “هبة افهمي! التوكيل كان فيه بند إدارة وتصرف في الممتلكات، وكريم كان مزنوق في 400 ألف جنيه مقدم القايمة والشبكة وأهل العروسة كانوا يفركشوا الجوازة! هو قال لي هيعرض التيسلا كـ ضمان أو يبيعها وياخد جزء من المبلغ ويرجع الباقي، ويثبت ملكية الـ BYD باسمك عشان ما تبقيش من غير عربية!”

“يثبت ملكية زبالة باسمي؟!” صرختُ لأول مرة، مستسلمة للغضب الذي يكتم أنفاسي. “أنت خنت أمانتي؟ استغليت توكيل عملتهولك عشان تدير أموري وأنا بره مصر، واديتها لأخوك يسرقني بيها؟ أنت عارف إن ده اسمه خيانة أمانة واستغلال توكيل في غير غرضه؟”

ردت حماتي بصوت عالٍ لترهيباني: “جرى إيه يا بت أنتِ! جرى إيه يا هبة؟ جاية تعملي لي فيها قاضي وشريفة؟ الفلوس كلها داخلة العيلة، وكريم كتب لك عقد ابتدائي بالـ BYD، يعني حقك محفوظ! وبعدين محمد جوزك، ومن حقه يتصرف في مالك زي ما هو شايف لمصلحتنا! إحنا مش غرب، والبيت ده مالوش غير كلمة راجل واحد!”

نظر لها كريم بامتنان، وظن أن موقفهم أصبح أقوى. أخذ خطوة للأمام وقال بتحدٍّ: “أنا ما سرقتش حاجة. الورق قانوني، والتصرف تم بتوكيل رسمي من جوزك. والتيسلا خلاص اتباعت لمعرض في مدينة نصر ومعاكِ فرق القيمة استلميه شيكات مؤجلة على سنتين. عجبك عجبك، مش عجبك أعلى ما في خيلك اركبيه، وروحي اشتكي أخو جوزك وجوزك في المحاكم وشوفي السمعة اللي هتطلع عليكي وعلى بيتك!”

في هذه اللحظة بالذات، انقشعت كل الغشاوة عن عيني. أدركتُ أنني لم أكن أعيش مع عيلة، بل مع شبكة استغلالية تراني مجرد حقل تجارب ومصدر تمويل لالتزاماتهم. محمد لم يكن زوجاً يحميني، بل كان الثغرة التي نُفذ منها لسرقتي.

مسحتُ دمعة خفيفة سقطت من عيني رغماً عني، وأخذتُ نفساً عميقاً، ثم أخرجتُ هاتفي المحمول من جديد.

ضغطتُ على زر الاتصال بالرقم المختصر للمحامي الخاص بي، الأستاذ سامح، وضعتُ الهاتف على السماعة الخارجية.

رد المحامي فوراً: “مساء الخير يا مدام هبة، حمد لله على السلامة. وصلتي بالسلامة من السفر؟”

قلتُ بصوت ثابت يسمعه الجميع في الجراج: “مساء النور يا أستاذ سامح. أنا واقفة حالياً في جراج العمارة، واكتشفت إن التوكيل العام اللي كنت محررّاه لزوجي محمد تم استخدامه بدون علمي ولا موافقتي لبيع سيارتي التيسلا لأخوه، وأخوه باعها لحسابه الخاص واشترى سيارة ثانية مستعملة وباع الباقي لاستخدامات شخصية. عايزة أعرف الموقف القانوني فوراً.”

صمت المحامي لثوانٍ على الطرف الآخر، ثم قال بجدية حازمة: “هذا التصرف يشكل جريمتين مكتملتي الأركان يا مدام هبة: الأولى خيانة أمانة واستغلال توكيل ضار بالموكل طبقاً لمواد قانون العقوبات، لأن التوكيل لا يجيز التصرف بالإضرار أو البيع للنفس والأقارب بدون إذن صريح. والجريمة الثانية هي السرقة والاستيلاء على منقولات مملوكة للغير بالنسبة لأخيه.”

ثم أكمل المحامي: “هل معاكي أوراق السيارة الجديدة أو صورة عقد البيع؟”

قلتُ: “معايا صورة عقد البيع للسيارة الـ BYD، ومعايا تسجيل صوتي بياخدوا فيه مسؤولية البيع والاستيلاء على الفلوس لتجهيز زواج الأخ، ومحمد معترف بالواقعة.”

قال الأستاذ سامح بنبرة حاسمة: “تمام جداً. افتحي محضر فوراً في شرطة النجدة من مكانك، بلغي عن سرقة سيارة واستغلال توكيل، وأنا في الطريق ليكي على قسم الشرطة. ومتسلميش مفتاح العربية الجديدة ولا تحركيها من مكانها، دي تعتبر أحراز الجريمة.”

تغيرت وجوه الثلاثة في ثانية واحدة. تحول كبرياء كريم إلى هلع، وشحب وجه حماتي، أما محمد فاندفع نحو بغضب وتوسل ممتزجين: “هبة! أنتِ اتجننتي؟ بتشدي المحامي على جوزك وأخوه؟ أنتِ عايزة تحبسينا؟”

رفعتُ يدي لأمنعه من الاقتراب وقلتُ: “أنت اللي حبست نفسك لما خنت الأمانة يا محمد. أنت مش بس سمحت لأخوك يسرقني، أنت سلمته السلاح اللي يسرقني بيه.”

سحبتُ شنطة سفري الصغيرة، ومشيتُ بخطوات ثابتة نحو بوابة الجراج الخارجية، تاركةً إياهم في ذهول وصدمة. تصاعدت أصواتهم بالصراخ والنداء خلفي، لكنني لم ألتفت للوراء ولو لمرة واحدة. كنتُ أعلم أن المحطة القادمة لن تكون البيت… بل كانت بداية كشف المستور حول ما حدث خلف كواليس بيع التيسلا في مدينة نصر، وما خفي كان أعظم.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى