عام

حكايات زهره الربيع 2

وفجأة، سكن الحركة أمام الباب. مرت ثوانٍ من الصمت  قبل أن ينطلق صوت جرس الهاتف في جيبي ليبدد هذا الفراغ المرعب. قفز قلبي من مكانه، أخرجت الهاتف بسرعة وضغطت زر الإجابة وأنا أضع يدي على فمي كي لا يخرج صوتي.

كان المتصل هو قريبي الطبيب، وجاءني صوته عبر الهاتف يلهث ويهمس بحدة: “سمر! أوعي تفتحي الباب! أنا وصلت عند مدخل العمارة، بس فيه شخصين بغرباء واقفين عند المصعد، وشكلهم مريب جداً والكهرباء مقطوعة عن العماره كلها! أنا استخبيت في المدخل الخلفي.. فيه حاجة مش مظبوطة بتحصل عندك!”

مقالات ذات صلة

قلت له بصوت يرتعش من الهول: “يا دكتور.. فيه حد بيحاول يفتح باب  حالاً! جنى  في إيدي والمصل معانا، تصرف أر جوك!”

رد الطبيب بسرعة وحسم: “اسمعيني كويس.. العمارة فيها سلم خدمات خلفي للمطبخ، أنا هطلع منه فوراً، خليكي سالكة ورا باب المطبخ أول ما أخبط ثلاث دقات خفيفة افتحي لي، ومحدش يعمل أي صوت!”

أغلقت الخط، ونظرت لإيهاب وقلت له بنبرة أمل أخير: “الدكتور طالع من سلم الخدمات.. قوم معايا نتحرك للمطبخ فوراً قبل ما يدخلوا من الباب الرئيسي!”

تسحبنا في الظلام عبر الممر الضيق، إيهاب يحمل جنى بين ذراعيه بجسدها المترهل، وأنا أدلهما بضوء الخافت الصادر من شاشة الهاتف. وصلنا المطبخ، وأغلقت الباب الخشبي خلفنا. مرت دقيقة كانت كالعمر، حتى سمعنا ثلاث دقات خفيفة ومتتالية على باب المطبخ الخلفي. فتحت الباب بسرعة، ليدخل الطبيب يلهث ومعه حقيبته الطبية العاجلة.

لم نضيع ثانية واحدة؛ سحب الطبيب الأمبولات من يد إيهاب المرتجفة، وقام بفحص السائل الشفاف بسرعة تحت ضوء الكشاف، ثم نظر لإيهاب بنظرة حادة وقال: “الجرعة دي لو اتأخدت دفعة واحدة لجسم بالوزن ده هتوقف قلبها! أنا هخففها بمحلول ملحي وأديها على مرتين في الوريد ببطء شديد”.

بدأ الطبيب في تجهيز الإبرة ببراعة وسرعة، وجنى تئن بصوت خافت. وفي تلك اللحظة بالذات، دوت في الصالة الخارجية فرقعة قوية تلتها كسر لعقب الباب الرئيسي! لقد

تسمرنا جميعاً في المطبخ. صوت خطوات ثقيلة ومحترفة بدأت تنتشر في الصالة، تتنقل بين الغرف، ووقع أقدامهم يقترب بثبات نحو المطبخ. نظر إلينا الطبيب بغضب وإصرار، وغرس الإبرة في وريد جنى ويبدأ في ضخ الجزء الأول من المصل ببطء شديد وهو يقول بصوت هامس: “لازم المصل يدخل جسمها كاملاً.. اشغلوا الوقت ده بأي طريقة، لو دخلوا قبل ما أخلص الجرعة الثانية البنت راحت!”

في هذه اللحظة، ظهر معدن إيهاب الحقيقي وسط هذا الكابوس. تراجعت ملامح الخوف من وجهه ليحل محلها إصرار يائس. نظر إليّ للمرة الأخيرة، عيناه كانت تنطقان باعتذار أخيرة عن كل ألم أذاقنا إياه، ثم قال بصوت خفيض: “احمي جنى يا سمر.. أنا اللي بدأ المهزلة دي، وأنا اللي هقفلها”.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى