روايات وقصص

حكايات ندى الجمل 1

— أنا مش هطلب من حسام فلوس عشان أجيبلك حاجات نفاس.
— أهو ده اللي أنا خايفة منه.
— لأ… أنا هبيع الدهب اللي عندي.
شهقت:
— إيه؟!
— الدبلة والسلسلة.
— لا يا منى!
— ليه لأ؟
— عشان إنتِ مش معاكي غيرهم!
— وإنتِ أختي.
بدأت أعيط:
— أنا مش عايزة دهبك.
قالت بهدوء:
— وأنا مش هبيعه.
سكت.
— طب هتعملي إيه؟
قالت:
— هاجي لك.
— هتيجي؟
— أيوه. أنا ونور.
— منى…
قاطعتني:
— بس مش جايين بإيدينا حاجات.
استغربت.
— أمال جايين ليه؟
قالت:
— عشان نقعد معاكي.
سكتت لحظة وبعدين قالت:
— إحنا اتيمنا من غير أب وأم، بس مش معنى كده إننا بقينا من غير أهل.
الكلمة دي خلّتني أنهار.
قفلت المكالمة وأنا حاطة إيدي على بطني.
بعدها بدقايق، محمود دخل.
كان وشه متغير.
قعد جنبي وقال:
— أنا آسف.
بصيت له:
— على إيه؟
— إني خليتك توصلي للحالة دي.
— إنت ما عملتش حاجة.
— لأ، عملت.
مسك إيدي.
— أنا كنت فاكر إن سكوتي بيحافظ على البيت.
بصيت له باستغراب.
— يعني إيه؟
قال:
— أمي من أول جوازنا وهي بتطلب مني حاجات تخص البيت، وأنا كنت بديها اللي أقدر عليه، حتى لو على حسابي.
— وأنا كنت عارفة.
— بس اللي اكتشفته النهاردة إن في حاجة تانية.
سألته:
— إيه؟
طلع موبايله وفتحه.
— منى بعتتلي رسالة.
قرأتها.
كانت بتقول:
“يا محمود، أنا عارفة إن أختي ما قالتلكش، بس أمك كانت بتطلب مني فلوس كل شهر بحجة إنها مصاريف البيت. أنا كنت بديها على قد استطاعتي، ومكنتش عايزة أقولك عشان ما يحصلش مشكلة بينكم.”
رفعت عيني لمحمود.
— أنا ما كنتش أعرف.
قال:
— وأنا كمان.
سكت شوية.
وبعدين قلت:
— محمود، أنا مش عايزة فلوس من حد.
— وأنا مش هخليكي تحتاجي حد.
— بس إنت شغلك باليومية.
ابتسم رغم تعبه:
— يبقى أشتغل يومين زيادة.
— والولادة؟
— ربنا هيسهلها.
— والأكل؟
— ناكل فول.
ضحكت غصب عني.
قال:
— إنتِ عايزة فراخ يعني؟
هزيت رأسي وأنا بضحك وبعيط:
— لا.
— أمال إيه؟
— عايزة بس أحس إني مش لوحدي.
سكت محمود.
وبعدين حضني.
— عمرك ما هتبقي لوحدك.
في اللحظة دي، سمعنا خبط على الباب.
محمود قام يفتح.
كانت منى ونور واقفين.
دخلوا الاتنين، وأول ما شافوني، منى حضنتني.
ونور حطت شنطة صغيرة على السرير.
بصيت لها:
— إيه دي؟
قالت:
— حاجات بسيطة.
— قولتلكم ما تجيبوش!
قالت نور:
— دي مش فلوس من جوزي.
استغربت.
— أمال؟
ابتسمت:
— دي حاجات كنت مجهزاها لبنتي.
بصيت لها.
— بنتك؟
سكتت.
وبعدين قالت:
— أيوه… بس أنا فقدت الحمل من شهرين.
اتجمدت.
نور كملت وهي بتحاول تمنع دموعها:
— كنت مخبية الحاجات دي، ومش عارفة أعمل بيها إيه.
فتحت الشنطة.
كان فيها ملاية صغيرة، وهدوم بيبي، وبطانية وردي.
— لما عرفت إنك هتولدي، حسيت إن الحاجات دي لازم تروح لبنتك.
انهرت في العياط.
حضنتها.
ولأول مرة من بداية اليوم، حسيت إن ربنا بعث لي أمي في شكل أخواتي.
لكن اللي ما كناش نعرفه وقتها…
إن سعاد كانت واقفة تحت السلم، وسمعت كل كلمة.
وفي نفس الليلة، حصل شيء قلب البيت كله.
لأن سعاد طلعت فوق، وخبطت على باب الشقة، ولما فتح محمود، قالت له:
— لو أخوات سلمى دخلوا البيت ده تاني، يبقى أنا مش هقعد هنا.
وبعدين بصتلي وقالت:
— ولسه عندي كلام كتير لازم تعرفيه قبل ما تولدي.
حطيت إيدي على بطني.
وفي اللحظة دي…
جالي أول وجع قوي.
اتنيت من الألم.
محمود صرخ:
— سلمى!
نور جريت عليا.
ومنى قالت:
— شكلها هتولد!
لكن سعاد…
فضلت واقفة مكانها.
وبصتلي بنظرة غريبة جدًا.
وقالت:
— قبل ما تروحي المستشفى… لازم تعرفي الحقيقة اللي أخويا ابني مخبيها عنك.
محمود بص لها بصدمة:
— أمي… كفاية!
قالت:
— لأ، المرة دي لازم تعرف.
والوجع زاد.
وأنا ما كنتش عارفة…
هل اللي مستنيني في المستشفى هو لحظة ولادة بنتي؟
ولا بداية أكبر صدمة في حياتي؟
Writing
— أمي… كفاية!
محمود قالها وهو واقف قدامها، لكن سعاد ما اتحركتش.
أنا كنت متعلقة في دراع منى، ونور بتحاول تسندني، والوجع بييجي ويروح أقوى من اللي قبله.
قلت بصعوبة:
— محمود… أنا لازم أروح المستشفى.
بص لأمه وقال:
— الكلام ده بعدين.
لكنها ردت:
— لو خرجت دلوقتي وهي مش عارفة الحقيقة، هتندم طول عمرها.
بصيت لها وأنا مش فاهمة.
— حقيقة إيه؟
سكتت.
محمود قرب مني وقال:
— مفيش حاجة يا سلمى. دي أمي بتحاول تخوفك.
صرخت من الوجع:
— أمال ليه بتقول كده؟!
سعاد قالت:
— لأن ابني مخبي عنك إن البيت ده مش بيتنا أصلًا.
اتجمدت.
— يعني إيه؟
محمود بص لأمه بغضب.
— أمي!
قالت:
— البيت ده بتاع أخوك الكبير، مش بتاعك. وإنت من أول ما اتجوزتها قلت لها إنك هتعيش هنا لحد ما تقدر تجهز شقتك.
بصيت لمحمود.
هو سكت.
— الكلام ده صح؟
حرك عينه بعيد عني.
— أيوه… بس الموضوع مش زي ما أمي بتقول.
— أمال زي إيه؟
قال بسرعة:
— أنا كنت بجمع فلوس عشان أبدأ أجهز شقتنا. بس الشغل وقف معايا أكتر من مرة، والفلوس اللي كنت موفرها صرفنا جزء منها على علاج أبويا قبل ما يموت.
سعاد قاطعته:
— ونسيت تقول لها إن أخوك عايز البيت ده؟
محمود بص لها:
— مش وقته!
لكنها كملت:
— أخوك رجع من السفر، وعايز بيته. يعني بعد ما تولد، ممكن تلاقي نفسك إنتِ وبنتك في الشارع.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
منى قالت بعصبية:
— إنتِ بتقولي إيه يا طنط؟!
سعاد ردت:
— بقول الحقيقة.
نور قالت:
— والحقيقة إن سلمى قربت تولد، وإنتِ واقفة بتخوفيها!
أنا حطيت إيدي على بطني.
— محمود…
قرب مني.
— أنا هنا.
— كنت هتقول لي؟
سكت.
— كنت هتقول لي إن ممكن نخرج من البيت؟
قال:
— كنت هتصرف.
— إمتى؟
— بعد الولادة.
ضحكت وسط دموعي.
— يعني كنت مستني أجيب بنتي وأعرف بعدها إن مالناش مكان؟
— لا يا سلمى، والله ما كان قصدي.
— أمال قصدك إيه؟
قال وهو بيبص في عيني:
— كنت عايز أحلها لوحدي.
صرخت:
— أنا مراتك! مش حد غريب عنك!
سكت.
وفي اللحظة دي جالي وجع أقوى.
مسكت بطنّي وصرخت.
منى قالت:
— خلاص، مفيش وقت للكلام. لازم ننزل المستشفى دلوقتي.
محمود جاب المفاتيح.
لكن سعاد وقفت قدام الباب.
— محمود، استنى.
— مش هنتظر.
— اسمعني بس.
— أمي، لو مراتي ولدت في العربية بسببك، عمري ما هسامحك.
فتحت الباب.
نزلنا بسرعة.
وأثناء ما محمود كان بيسندني، سعاد نادت:
— سلمى!
بصيت لها.
قالت:
— أنا عارفة إنك فاكراني بكرهك.
سكت.
— بس لما ترجعي من المستشفى، هتفهمي ليه كنت بحاول أخلي أخواتك يساعدوكي.
ما رديتش.
ركبت العربية.
ومحمود اتحرك بأقصى سرعة.
طول الطريق، كنت ماسكة إيده.
هو كان سايق بإيد، والتانية ماسك إيدي.
قال:
— سامحيني.
— على إيه؟
— إني خبيت عليكي.
— أنا مش زعلانة عشان البيت.
— أمال؟

تابع المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى