
!
فاروق بص لي وضحك بأسنان صفرا: «الآنش هانم كان قدامها فرص كتير تكسب ود أبوها، بس اختارت التكبر والعناد».
كريم ضحك بتهكم.
والقاضي رفع المطرقة عشان يختم الجلسة وينهي القضية خالص.
وفي اللحظة دي بالضبط.. فتحت ملفي الجلدي.
من غير استعجال.
وبأبطأ حركة ممكنة.
صوت السوستة المعدنية وهي بتتفتح جه في صمت القاعة المرعب كأنه صوت رصاصة!
الضحكات والهامسات سكتت في ثانية.
وش محامي العيلة اتخطف: «يا سيادة القاضي، القضية اتحجزت للنطق بالحالحكم..»
بصيت له بثبات وصوت هادئ هز أركان المكان لدرجة خلت ابتسامته تقع:
– «بتهزر يا محامي.. نسيت تفصيلتين صغيرين خالص!»
القاضي وقف إيديه وهو بينزل المطرقة، وبص لي باهتمام:
– «تفاصيل إيه يا أنسة دمنهوري؟»
طلعت أول ورقة رسمية وختمتها بخاتم شعار الجمهورية ورزعتها على المنصة:
– «أولاً.. أبويا الله يرحمه مكنش المالك الحقيقي لإمبراطورية الفنادق اللي بتوزعوها بالحب دي!»
قبل ما عفاف تلحق تصرخ من الصدمة، طلعت ملف تاني ضخم، مختوم باللون الأحمر من مباحث الأموال العامة ومكافحة جرائم التهرب الضريبي:
– «وثانياً..» – كملت كلامي، وأنا بلف وشي ناحية باب القاعة الكبير اللي اتفتح فجأة بصوت عالي وهدّار…
يا
باب قاعة المحكمة الكبير اتفتح ببطء شديد، ودخلت منه مجموعة مكونة من ثلاثة رجال يرتدون بدلات سوداء رسمية، يحملون حقائب جلدية ثقيلة، ويتقدمهم ضابط شرطة رفيع المستوى برتبة عقيد، وبصحبته اثنان من كبار خبراء التثمين القضائي بوزارة العدل.
القاعة كلها اتسمرت في مكانها. حتى صوت التنفس كأن اختفى.
«عفاف» نطت من على دكة الحضور، ووشها انقلب للون الأصفر الباهت، وعقد اللؤلؤ أبو 50 ألف دولار اللي كانت لابسته كأنه تحول لحديد حارق على رقبتها. بصّت لمحامي العيلة «فاروق» اللي قام فجأة، ووشه عرقان وغارق في الارتباك، وبدأ يصرخ بصوت عالي:
– «يا سيادة القاضي! ده تلاعب وتخريب لسير الجلسة! دي أوراق غير قانونية، ومحاولة بائسة لتعطيل العدالة!»
القاضي رفع يده بحزم، وصوته الجهوري هز القاعة:
– «اصمت يا أستاذ فاروق! المحكمة هي اللي بتحدد إيه القانوني وإيه غير القانوني. الأنسة «دانة» معاها مستندات رسمية مختومة بشعار الجمهورية.. اتفضلي يا أنسة دانة، تابعي أقوالك!»
التفتّ بهدوء نحو المنصة، وعيني ثبتت في عيون «فاروق» المرعوبة، ثم انتقلت لكريم وعفاف اللي كانوا بيبصوا لي كأنهم بيشوفوا عفريت مش بني آدمة. فتحت الورقة الثانية ورفعتها لفوق:
– «سيادة القاضي، المحامي فاروق بيقول إن الوصية نهائية وإن المرحوم محمود الدمنهوري ترك كل أملاكه لزوجته الثانية وابنه كريم.. بس فاروق نسى يفكرهم بحاجة بسيطة جداً: المرحوم ما كانش يملك سوى 49% فقط من أسهم مجموعة (الدمنهوري جروب) العقارية والفندقية!»
صوت همهمة عالية وعارمة ملأت القاعة. كريم وقف مرة واحدة من على الدكة وصرخ بصوت متهدج:
– «إنتي بتخرفي! أبويا كان المالك الوحيد لكل حاجة! كل الأبراج والفنادق باسمه!»
– «أبوك كان واجهة يا كريم.. واجهة براقة تخدع بيها السوق والناس زيك وزي عمتي»، رديت عليه بنبرة هادئة وقوية قطعت أنفاسه، وكملت وأنا بفتح الملف التاني اللي جابه ضابط الأموال العامة ووضعته قدام القاضي:
– «الـ 51% الباقية من الأسهم والملكية الفكرية والعقارية الأساسية لأكبر ثلاثة فنادق في وسط البلد والساحل الشمالي.. مسجلة رسمياً وبشراكة تأسيسية موثقة من سنة 1995 باسم أمي: الدكتورة (فاطمة الشريف).. أيوة، أمي اللي طردتوها من حياتكم، واللي أبويا حاول بعد موتها يزور عقود التنازل مستغلاً صدمتي وسني الصغير!»
عفاف صرخت بصوت حاد وهي ماسكة في دراع فاروق:
– «كذب! ورق مضروب! دي أوراق مزورة عشان تسرقنا!»
هنا، تقدم العقيد من مباحث الأموال العامة، وطلب إذن القاضي بالتحدث، وقال بصوت حاسم:
– «يا سيادة القاضي، نحن ممثلو إدارة مكافحة جرائم التهرب الضريبي والأموال العامة. بناءً على البلاغ الرسمي والمستندات الجنائية اللي قدمتها المحاسبة القانونية (دانة محمود الدمنهوري)، قمنا بمراجعة السجلات التاريخية للشهر العقاري والبورصة. ثبت بالدليل القטعي أن السيدة الراحلة فاطمة الشريف هي المالك الشرعي والأصلي لنسبة الحصة الحاكمة. وأن المرحوم محمود الدمنهوري قام خلال الشهور الأخيرة قبل وفاته –وبمساعدة المستشار القانوني للعائلة فاروق– بتسريب ونقل أصول وهمية وعقود تنازل باطلة قانوناً لصالح السيدة عفاف عبد الحميد والسيد كريم محمود الدمنهوري، بغرض تهريبها من الضرائب وحرمان الوريثة الشرعية الوحيدة (دانة) من حقوقها!»
القاعة كلها اتجمدت.
«فاروق» سقطت أوراقه من إيده على الأرض وتناثرت في كل حتة. وشُفْت بعيني رعب السنين بيتجمع في عيون «عفاف» اللي قعدت مكانها على الدكة وانهارت بالدموع الحقيقية مش الوهمية، وكريم بقى بيبص حواليه كأنه تايه في كوكب تاني.
القاضي بص للملفات قدامه بتمعن شديد، وخد نظارته وراجع الأختام بدقة، ثم ضرب بالمطرقة ضربة واحدة قوية وصارمة رددت صداها في كل أرجاء المحكمة:
– «بناءً على المستندات الرسمية المقدمة من مباحث الأموال العامة وثبوت صحة نسب ملكية الأسهم لصالح المدعية الأنسة دانة محمود الدمنهوري.. تقرر المحكمة الآتي:
أولاً: بطلان الوصية المقدمة من دفاع المدعى عليهم لتعارضها مع حقوق الملكية الأصلية للشركاء الأساسيين.
ثانياً: التحفظ الفوري على جميع أموال وممتلكات وأرصدة مجموعة (الدمنهوري جروب)، ومنع السيدة عفاف عبد الحميد والسيد كريم محمود الدمنهوري من التصرف في أي أصول لحين انتهاء التحقيقات الجنائية في تهمة التزوير وتهريب الأموال.
ثالثاً: تسليم كافة الحصص الحاكمة والأسهم البالغة 51% فوراً لصاحبتها الشرعية الأنسة دانة الدمنهوري بصفتها الوارث الوحيد للشركاء المؤسسين!»
رفعت المطرقة.. وخلص الحكم.
الكل قام.. بس أنا مفطرتش أقوم بسرعة. سيبت الملف الجلدي مفتوح قدامي، وبصيت بهدوء لـ «عفاف» وهي مكسورة وبتترعش، و«كريم» اللي نزل راسه في الأرض ومقدرش يبص في عيني، و«فاروق» اللي البوليس كان بيقرب منه عشان يحط الكلابشات في إيده.
وقفت، ولميت أوراقي ببطء شديد، ورجعت السوستة بتاعة الملف تقفل بصوت معدني واضح.
عفاف جريت ناحيتي بجنون، ووقفت قدامي وهي بتترعش، ومدت إيدها بانهيار:
– «دانة.. دانة حبيبتي.. إحنا عيلة.. أبوكي الله يرحمه كان بيحبك بس الظروف.. ارجعي بيتك.. الفندق الكبير كله هيبقى تحت إمرتك.. بلاش تبقي قاسية كده!»
بصيت لعقد اللؤلؤ اللي على رقبتها، وابتسمت ببرود تام، وبصوت هادئ وصل لكل الناس اللي كانت بتشمت فيا من ساعة، قلت لها:
– «العقد ده.. شكلي هخليه ييليق أكتر على رقبة السكرتيرة الجديدة بتاعتي في الشركة.. أصل عيب أوي واحدة حرامية تلبس ممتلكات أمي!»
سيبتهم واقفين في نص القاعة وسط صدمتهم وانهيارهم، ومشيت بخطوات ثابتة ومرفوعة الرأس، ولأول مرة في حياتي حسيت إن شنطة السفر اللي خرجت بيها زمان.. رجعت ومعاها الإمبراطورية كلها.




