
— الحالة دي نادرة جداً، بس مش مستحيلة. العلاج والعملية الجراحية المطلوبة متطورة ومش متوفرة هنا، بس مركز أبحاثي في ألمانيا بيتكفل بالحالات دي بالكامل على حسابي الخاص كجزء من أبحاث الجراحة العصبية.. أنا هاخد ياسين معايا ألمانيا وهعالجه بالكامل بدون ما تدفعوا مليم واحد!
حسام مسك إيد الدكتور وهو بيعيط ومش مصدق، وأنا كنت حاسة إن ربنا بيجيبلي حق ابني قبل ما تبدأ رحلة العلاج. الدكتور أصر إننا نجهز الأوراق والتأشيرات بأسرع وقت، وبالفعل في خلال أسبوعين كنا خلصنا كل حاجة، والدكتور سفر ياسين ومعه حسام على ألمانيا لبدء الرحلة.
في اليوم اللي حسام وياسين سافروا فيه، نادية كانت واقفة تبص من الشباك بغل وحسد ومش مستوعبة إن العيل اللي كانت بتقول عليه «أهبل وأعفين» مسافر ألمانيا وعلى حساب أكبر دكتور في العالم!
مرت ثلاث شهور وأنا قاعدة في لوحدي بأدعي ربنا كل دقيقة، والتليفونات ما بتبطلش بيني وبين حسام. كل يوم كان بيبعتلي فيديوهات لياسين وهو بيتحسن؛ الحركة في إيده بدأت ترجع طبيعية، والنطق بقى أوضح بكثير، ووجهه نور ورجعت له صحته.
وفي يوم، ونادية نازلة على السلم بتتبغدد كعادتها، سمعت صوت تليفوني بيرن فيديو كول من حسام. فتحت الخط ورفعت الصوت على آخره، ووقفت عند باب اعشان تضمن إنها تسمع.
ظهر ياسين على الشاشة، واقف على رجليه بثبات، وبصلي بابتسامة زي الشمس وقال بصوت واضح ومظبوط 100%:
— إزيك يا ماما؟ أنا بقيت كويس أوي وراجعلك أنا وبابا بكرة!
نادية كانت واقفة على السلم، رجليها اتسمرت مكانها وكوباية العصير اللي كانت في إيدها وقعت اتكسرت على الأرض، وعينيها كانت هتطلع من مكانها وهي شايفاه بيتكلم ويتحرك زي الفل..
رجعت نادية لورا خطوتين وهي مش مصدقة اللي سمعته وشافته بعينيها. الفون كان في إيدي وصوت ياسين الخارج من السماعة وهو بيقول «أنا بقيت كويس يا ماما وراجعلك بكرة» كان يرن في أركان العمارة كلها زي صاعقة نزلت على رأسها. طلعت تجري على ا وقفلت الباب وراها بعنف، وأنا قعدت على السلم وبكيت، بس المرة دي دموعي كانت دموع فرحة وراحة، دموع حق بيرجع بعد طول انتظار.
طول الليل مكنتش عارفة أنام، عيني مش متغمضة، أجهز البيت، أنضف أوضة ياسين، أفرش ملايات جديدة، وأشم ريحة كل هدوم من هدومه وأنا بضمها لصدري. كانت الساعة بتمر عليا كأنها سنة كاملة. الصبح بدري، أخدت بعضي ونزلت للمطار، مكنتش قادرة أستنى لحظة واحدة في البيت.
في صالة الوصول، كنت واقفة وسط الزحمة، عيني معلقة على الباب اللي بيخرج منه المسافرين. قلبي كان بيدق بسرعة رهيبة، لحد ما شفت حسام طالع، ومسك في إيده.. ياسين!
أول ما ياسين شافني، ساب إيد أبوه وجري عليا.. جري خفيف وسريع وثابت! مسكت فيه وضميته لصدري وأنا بصرخ من الفرحة، وببوّس كل شبر في وشه. ياسين مسح دموعي بإيديه الاثنين وقال بصوت واضح ونقي جداً:
— بلاش تعيطي يا ماما، أنا بقيت قوي خلاص، ومفيش حاجة توجعني تاني.
حسام حضننا إحنا الاثنين وهو بيبكي ويقول:
— ربنا كبير يا هدى، ربنا جبر بخاطرنا وما كسرتناش أبداً. الدكتور هانز عمل معجزة، Process طويلة وتدريب شاق، بس ياسين كان بطل وكان عاوز يرجعلك وهو سليماً معافى.
رجعنا العمارة، وأنا حاسة إن الأرض مش شايلاني من الفرحة. أول ما دخلنا المدخل، لقينا العمارة كلها طالعة تستقبلنا، الجيران والأقارب اللي عرفوا بالخبر نازلين يباركوا ويسلموا على ياسين. الناس كانت مبهورة وشايفة الولد اللي كانوا بيقولوا عليه «مفيش منه أمل» واقف بثبات، بيتكلم بلباقة، وبيسلم على الكبير والصغير بأدب وذكاء شديد.
في اللحظة دي، فتحت نادية باب ا ببطء، وطلت برأسها وهي باصة لياسين بذهول وغل مكتوم. حسام بصلها بثبات، وياسين أخد باله منها، وبص لها بابتسامة بريئة وقال بصوت عالي أمام الجيران كلهم:
— أزيك يا طنط نادية؟ البنات عاملين إيه؟ أنا رجعت خفيت خالص الحمد لله، والدكتور في ألمانيا قال إن الذكاء عندي ممتاز وجسمي بقى قوي جداً!
نادية أتنحست وما عرفتش تنطق بكلمة واحدة، وشها جاب ألوان، والكل كان بيبص لها وهو عارف الكلام والمعايرة اللي كانت بتقولها عليا وعلى ابني. ردت بصوت مخنوق ومتردد:
— حمـ… الحمد لله على سلامتك يا ياسين.. عقبال ما نشوفك عريس.
وقفلت الباب بسرعة واستخبت جوة شقتها.
مرت الأيام، وياسين بقى نوارة البيت والعمارة كلها. الدكتور هانز مكنش بس عالجه، ده كتب له على برنامج تعليمي ورياضي متطور جداً عشان ينمي مهاراته العقلية والبدنية. حسام قدم له في مدرّسة خاصة متميزة، وفي خلال شهور قليلة، ياسين أثبت تفوق غير عادي في الرياضيات واللغات، وكأن السنين اللي فاتت اللي كان محبوس فيها جوة مرضه كانت ب داطة وذكاء.
في المقابل، كانت ة نادية بيمر عليها أيام سودة. الغيرة والحسد أكلوا قلبها. نادية كانت دايماً بتتباهى إن عندها ثلاث بنات «زي العسل» وإنهم كاملين مفيش فيهم عيب، وكانت دايماً تبص لي بعين النقص. بس دوام الحال من المحال.
في يوم من الأيام، سمعنا صريخ وعياط طالع من نادية فوق. الصوت كان عالي ومفزوع، وحسام جرى ينط السلم عشان يشوف فيه إيه، وأنا حصلته. الباب كان مفتوح والنادي قاعدة في الصالة بتلطم على وشها وجوزها «سعيد» مسك الورق اللي في إيده وبيرميه في الأرض وهو بيزعق بقلة حيلة.
اتاري نادية كانت بتمشي بناتها في الدروس والمداارس وتضغط عليهم بشكل رهيب عشان يطلعوا الأوائل ويغيظوني، بس البنت الكبيرة «شهيرة» اللي في ثانوية عامة، انهارت نفسياً وجسدياً من كثرة الضغط والمعاملة القاسية اللي كانت أمها بتعاملها بيها. الشهادة طلعت، والبنت جابت مجموع ضعيف جداً وما لحقتش أي كلية من اللي أمها كانت بتتباهى بيها قدام الناس. ومش بس كده، البنت الصغرى «جنى» جالت لها حالة تلعثم ونطق متقطع مفاجئ بسبب الخوف والرعب الدائم من أمها وعصبيتها، وبقت مش عارفة تتكلم جملة على بعضها!




