
حاول جابر يقف، بس رجليه الخشبية ما شالتهوش. الصوت فوق زاد، وما بقاش مجرد مشي وبكاء.. بقى صوت أثاث بيتجر على الأرض، وصوت كراكيب بتمس الأرض بعنف، وكأن حد بيعيد ترتيب الشقة من جديد، أو بيكسر حيطانها.
بالعافية، جابر جاب كشاف الموبايل، ونوره الضعيف كان بيرتعش في إيده وهو بيتحرك ناحية باب الشقة. طلعت وراه، ماسكة في جلابيته من ضهره، قلبي كان بيلطم في قفصي الصدري زي طير مذبوح. فتحنا باب الشقة بالبطيء، وركبنا السلم الظلام.
-
حكايات اسما السيد 2منذ 46 دقيقة
-
حكايات منى السيد 2منذ يومين
-
حكايات منى السيد1منذ يومين
-
مدرسة حكايات رومانى مكرم 2منذ يومين
درجات السلم كانت باردة زي الثلج، وكل ما نطلع خطوة ناحية الدور الفوقاني، كان الهواء بيبقى أتقل وأبرد، ورائحة غريبة بتزيد.. ريحة تراب مبلول بماء المطر، مع ريحة حريق مكتوم. وصلنا قدام باب شقة “حسين”. الباب اللي قفلته صفاء بإيدها وهي بتعيط، كان مفتوح على البحري، والقفل المكسور ملقى على الأرض!
جابر وجّه نور الموبايل لجوه الشقة. الصالة كانت فاضية، بس التراب كان مغطي الأرضية كأن الشقة مهجورة من عشر سنين مش من ساعتين! وفي نص الصالة، كانت فيه أثر خطوات أقدام حافية.. خطوات راجل كبير، وبجنبها خطوات طفل صغير، مطبوعة على التراب بالأسود، وماشية باتجاه غرفة النوم الرئيسية.
جابر بلع ريقه بصعوبة، وصوته طالع مخنوق:
* “حسين؟.. حسين أنت هنا؟”
رد عليه صوت رزعة الباب خلفنا بقوة مرعبة! الباب اترزع لدرجة إن الخشب اتقسم نصين. صرخت بأعلى صوتي ومسكت في جابر. النور بتاع الموبايل بدأ يرعش ويطفي ويشتغل. وفي اللحظة دي، سمعنا صوت “حسين”.. نفس نبرة صوته الحنينة بس متبدلة ببرودة ترعب العظام، الصوت كان جاي من كل أركان الشقة، مش من مكان واحد:
* “جاي تاخد نصيبي يا جابر؟ جاي تطرد ولادي من بيتي يا اخويا؟”
جابر وقع على ركبه، ونزل على الأرض يبكي ويصرخ:
* “سامحني يا حسين! مراتي هي اللي زقتني! وحياة عيالك سامحني.. أنا هرجع كل حاجة!”
بصيت لجابر بذهول ورعب، لكن قبل ما أرد أو أصرخ، شفنا خيال طفل صغير واقف في أخر الممر، وشه مش باين، بس إيده كانت مشيرة ناحية شقتنا تحت.. وفجأة، سمعنا صوت صرخة جاية من تحت.. صوت ولدنا الكبير “أحمد”!
الصرخة قطعت قلوبنا. نزلنا جاري على السلم زي المجانين، نسينا الخوف من اللي فوق وبقى خوفنا على اللي تحت. جابر كان بيقع ويقوم على السلم، وأنا وراه أصرخ باسم “أحمد”. دخلنا الشقة تحت، النور كان لسه قاطع، وبنور الموبايل جرينا على أوضة الولاد.
لقينا أحمد قاعد على السرير، عيونه مبرقة للسقف، وجسمه بيتنفض كله، وصدره بيطلع وينزل بصعوبة وكأنه مخنوق. وبجنبه أخوه الصغير نايم في دنيا تانية خالص ومش حاسس بحاجة. مسكت أحمد بين إيدي وأنا ببكي:
* “مالك يا أحمد؟ في إيه يا بني؟ حاسس بإيه؟”
أحمد رفع صباعه وهو بيرتعش وشاور على الزاوية المظلمة في الأوضة، وصوته طالع بال بالعافية، كأن حد دايس على حنكرته:
* “عمو حسين كان واقف هنا يا ماما.. كان ماسك إيد ابن عمي، وقال لي قولي لأبوك البيت ده مش بتاعكم.. البيت ده مدفون فيه حقم!”
جابر أول ما سمع الكلمة دي، مسك قلبه وسقط على الأرض مغمى عليه.
الليلة دي ما عدتش. فضلت قاعدة جنب جابر وأحمد، بقرأ آيات مش مجمعة، ودموعي نازلة زي المطر. الفجر أذن، والنور جه فجأة زي ما قطع فجأة. بس البيت ما رجعش زي ما كان. البيت بقى فيه ثقل، كتمة نفس تجيب الأزمة.
على الساعة تمانية الصبح، جابر فتح عينيه، بس وشه كان متغيّر.. بقه كان معوج شوية ناحية اليمين، وكلامه طالع متقل. النقطة جتلوا من الخضة والرعب. جريت جبت الدكتور من أخر الشارع، وجاء كشف عليه وقال إن جابر جاتله جلطة خفيفة نتيجة زعل أو خضة جامدة، ولازم يرتاح وما يتعرضش لأي ضغط.
خرج الدكتور، وقعدت جنب جابر على السرير، مسكت إيده المشلولة وأنا بكي:
* “شفت يا جابر؟ شفت اللي جرى لنا؟ دي دعوة صفاء.. دعوة المظلوم نزل عليا وعليك!”
جابر بصلي بعيون مليانة قهر ودموع، وحاول يتكلم بصوت مكسور ومُعوج:
* “رجعي.. رجعي صفاء يا سعاد.. الفلوس.. الفلوس مش هتنفذنا..”
خرجت من الأوضة وأنا مسطولة، مش عارفة أعمل إيه. البيت كان ساكت بس السكوت كان أشد من الضوضاء. طلعت على السلم تاني، رجلي كانت بتترعش. دخلت شقة حسين في ضوء النهار. التراب اللي كان مالي الأرضية بالليل اختفى! والباب المكسور كان مقفول ومقفي كأن محدش جه جمبه!
وقفت في نص الصالة، وشعرت ببرودة شديدة بتخترق جسمي رغم حرارة الصيف. وفجأة، التليفون في إيدي رن. كان رقم غريب. فتحت الخط والتردد يقتلني:
* “ألو؟”
جاءني صوت راجل كبير وراسين، عرفته على طول.. ده “الشيخ عبد التواب”، عم صفاء الكبير من البلد.
* “ألو.. إزيك يا سعاد. كلميني يا بنت الناس من غير لف ودوران. جابر فين؟”
قلت له بصوت مخنوق:
* “جابر تعبان يا شيخ عبد التواب.. تعبان قوي ومياخدش في إيده حاجة.”
الشيخ عبد التواب رد بنبرة حادة وواثقة زي السيف:
* “تعبان من دعوة الأيتام يا سعاد! صفاء جتلنا البارح بالليل وهي وجرار عيالها على كفوف الراحة، مقهورة ومكسورة الخاطر. البنت حكت لنا على البلطجية وعلى التهديد وعلى الفلوس اللي رميتوها في وشها. أنا بكلمك أهو عشان أقولك كلمتين لوجه الله.. اللي أخدتوه بالقوة، هتدفعوا تمنه من صحتكم وعيالكم. والورق اللي مضت عليه صفاء تحت السلاح والتهديد، مش هيسوى القشرة قدام المحاكم والقانون!”
صرخت في التليفون وأنا ببكي:





